اخبار الشعب/ عزيز بوركعا
في خضم التفاعل الواسع الذي أعقب الإعلان عن وفاة شاب داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء يجد الرأي العام نفسه أمام واقعة دقيقة تتجاوز بعدها الإنساني المؤلم لتلامس سؤالا مؤسسيا عميقا يتعلق بمنسوب الثقة في العدالة وفي سلامة الإجراءات داخل المرافق الخاضعة لسلطة الدولة ذلك أن أي وفاة تقع في هذا السياق لا تبقى شأنا عاديا بل تتحول إلى اختبار فعلي لمدى صلابة دولة القانون وقدرتها على إدارة الأزمات بالوضوح والشفافية
البلاغ الصادر عن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أفاد بأن الشخص المعني كان موضوع بحث قضائي وبأنه أقدم على القفز من نافذة بالطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية ما أدى إلى إصابته برضوض وكسور متعددة ونزيف سحائي انتهت بوفاته وفق ما خلصت إليه لجنة طبية ثلاثية عهد إليها بإجراء التشريح كما أشار البلاغ إلى معطيات مادية تمت معاينتها بعين المكان تتوافق مع فرضية السقوط من علو مع استمرار البحث القضائي لتحديد جميع الملابسات
في المقابل عبر والدا الهالك في تصريحات متداولة عن تشكيكهما في فرضية الإقدام على إنهاء الحياة وأثارا عناصر تتعلق بشكاية سابقة وضعها ابنهما ضد مسؤولة أمنية ورفضه التنازل عنها كما أكدا عدم علمهما بطبيعة مذكرة البحث أو أسباب الاستدعاء وهو ما وسع دائرة التساؤل في الفضاء العمومي حول السياق الكامل للواقعة دون أن يعني ذلك الجزم بأي استنتاج قبل انتهاء التحقيق
إن مقاربة هذه الحادثة تقتضي استحضار مبدأين متلازمين أولهما قرينة البراءة التي تشمل جميع الأطراف مؤسسات وأشخاصا فلا مجال لإصدار أحكام مسبقة أو تبني روايات نهائية خارج ما سيثبته البحث القضائي وثانيهما مبدأ حماية الحق في الحياة وضمان السلامة الجسدية لكل شخص يوجد تحت إشراف السلطة العامة وهو التزام دستوري وقانوني يفرض أعلى درجات اليقظة والتأمين داخل فضاءات البحث والاستماع
من الناحية الإجرائية فإن وجود شخص داخل مرفق أمني يخضع لمنظومة دقيقة من الضمانات تبدأ بإشراف النيابة العامة وتمر بتوثيق الإجراءات وتمكين المعني بالأمر من حقوقه القانونية وتنتهي بتأمين محيط البحث بما يحول دون أي خطر محتمل سواء تعلق الأمر بمحاولة فرار أو بسلوك اندفاعي مفاجئ فواجب الحماية هنا لا يقل أهمية عن واجب البحث نفسه بل يعد جزءا لا يتجزأ منه
كما أن التوجه التشريعي الحديث يسير نحو تعزيز توثيق إجراءات البحث بوسائل تقنية تضمن الشفافية وتحمي جميع الأطراف من أي ادعاء غير مؤسس وهو مسار ينسجم مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة ويجعل من فحص كل وسائل التوثيق المتاحة إن وجدت خطوة ضرورية ضمن أي تحقيق جدي وشامل لأن العدالة لا تقاس فقط بصحة النتيجة بل أيضا بسلامة الطريق المؤدي إليها
إن جوهر النقاش اليوم لا ينبغي أن ينحصر في المفاضلة بين رواية رسمية وشهادة عائلية بقدر ما يتمثل في ضرورة الكشف الكامل عن السياق لماذا كان المعني بالأمر موضوع بحث ما طبيعة الوقائع محل التحقيق ما التدابير الوقائية المعتمدة داخل مكتب الاستماع وكيف أمكن أن يقع الحادث في تلك الظروف إن الإجابة الدقيقة والمفصلة عن هذه الأسئلة هي وحدها الكفيلة بترسيخ الثقة أو تصحيح الاختلال إن ثبت وجوده
وإذا كان البحث القضائي قد فتح فعلا فإن تعزيز مصداقيته يمر عبر ضمان أقصى درجات الاستقلال والحياد في مباشرته سواء من خلال تعدد الخبرات أو عبر آليات رقابية تكفل الاطمئنان إلى نتائجه ذلك أن الفصل بين جهة التدبير وجهة التقييم يمثل منطق حكامة معترف به في مختلف الأنظمة القانونية ويخدم في نهاية المطاف سمعة المؤسسات أكثر مما يسيء إليها
إن حماية صورة العدالة لا تتحقق بالشعارات بل بنشر نتائج التحقيق كاملة غير منقوصة داخل آجال معقولة مع بيان الأسس الواقعية والقانونية التي بنيت عليها الخلاصات فالغموض بيئة خصبة للشائعات أما الوضوح فهو صمام الأمان الذي يحول دون تراكم الشكوك ويعيد الطمأنينة إلى المجتمع
في نهاية المطاف تبقى هذه الواقعة امتحانا حقيقيا لقدرة المؤسسات على إدارة لحظة حساسة بأدوات دولة القانون فالمؤسسات القوية لا تخشى المساءلة بل تعتبرها ضمانة لاستمرارها والعدالة حين تكون شفافة لا تكتفي بفتح تحقيق بل تجعل من نتائجه وثيقة عمومية تؤكد أن كرامة الإنسان وسلامته داخل أي مرفق عمومي خط أحمر وأن الثقة العامة ليست معطى ثابتا بل رصيد يتجدد بالفعل المسؤول والواضح لا بالبيانات المقتضبة ولا بالانتظار الطويل













