أخبار الشعب / نزهة الإدريسي
تحولت كرة القدم في العقود الأخيرة من مجرد رياضة توحد الشعوب وتجمعها حول قيم المنافسة الشريفة، إلى صناعة عالمية ضخمة تتشابك فيها المصالح المالية والاستثمارية والسياسية. ومع اتساع نفوذ رؤوس الأموال، وعقود الرعاية، وحقوق البث، وأسواق المراهنات، تراجعت في كثير من الأحيان الروح الرياضية أمام منطق الربح، وأصبح القرار الرياضي عرضة لتأثيرات لا علاقة لها بالميدان.
ولا يمكن إنكار أن تنظيم البطولات العالمية يتطلب ميزانيات هائلة لا تستطيع الدولة المضيفة وحدها تحملها، مما يجعل الاستعانة بالشركات الكبرى والمستثمرين أمرًا ضروريًا. غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول بعض الممولين إلى أصحاب النفوذ الأكبر، فيؤثرون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في توجهات اللعبة وإدارتها، فتتراجع الشفافية، وتثار التساؤلات حول عدالة بعض القرارات، وتصبح المصالح الاقتصادية والسياسية حاضرة بقوة في مشهد يفترض أن يكون رياضيًا خالصًا.
لقد كانت كرة القدم يومًا لغةً عالمية يفهمها الجميع، وشغفًا يولد في الأزقة والساحات الشعبية قبل أن يصل إلى الملاعب العملاقة. وكانت حلم الأطفال، ومتنفس الجماهير، ورمزًا للمنافسة النزيهة. أما اليوم، فقد أصبحت أيضًا أرقامًا في ميزانيات الشركات، وصفقات استثمارية، وعقود رعاية، وحقوق بث بمليارات الدولارات، وسوقًا مفتوحة لانتقال اللاعبين وشراء النجوم.
والأخطر من ذلك، أن المراهنات المشروعة وغير المشروعة امتدت إلى تفاصيل اللعبة كلها؛ من أداء اللاعبين، إلى نتائج المباريات، بل وحتى مصير البطولات. وأصبح اللاعب في كثير من الأحيان يُنظر إليه كأصل استثماري أكثر من كونه رياضيًا يحمل رسالة وقيمًا، بينما باتت الجماهير تخشى أن تخضع متعة المنافسة لحسابات المال أكثر مما تخضع لجهد اللاعبين داخل المستطيل الأخضر.
إن تضخم العقود، والمضاربات المالية، وشراء الذمم، واستغلال الرياضة لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، كلها ممارسات تُفرغ المنافسة من معناها الحقيقي، وتُهدد الثقة في عدالة اللعبة. فالاستثمار في الرياضة ضرورة لتطويرها، لكنه يفقد مشروعيته عندما يتحول إلى وسيلة للهيمنة على قراراتها أو توجيه نتائجها.
ستبقى كرة القدم أجمل عندما تكون انتصارًا للموهبة والعمل والروح الرياضية، لا انتصارًا للمال والنفوذ. فالملاعب ينبغي أن يحكمها الأداء، لا المضاربات، وأن يبقى الكأس ثمرةً للجدارة، لا انعكاسًا لقوة المصالح.
نزهة الإدريسي
المملكة المغربية










