النحن والمسرح: من سوسيولوجيا الأجوبة إلى بسيكودراما السؤال

الحسين صبري10 يوليو 2026114 مشاهدةآخر تحديث :
النحن والمسرح: من سوسيولوجيا الأجوبة إلى بسيكودراما السؤال

بقلم: الفنان الباحث البشيري بنرابح

المسرح ليس معزولا عن المجتمع، بل هو أحد أكثر مراياه صدقا، فما يعجز المجتمع عن قوله مباشرة، يقوله المسرح على الخشبة، وما يخفيه الوعي الجمعي تعيد الشخصيات المسرحية تمثيله في صورة صراع إنساني، لذلك فالحديث عن “النحن والمسرح” ليس حديثا عن الفن وحده، بل عن الإنسان وهو يصوغ علاقته بالسلطة والمعرفة والحرية.
من المنظور السوسيولوجي، يمكن القول إن بعض المجتمعات، في سياقات ثقافية وتربوية معينة، تميل إلى ترجيح الأجوبة الجاهزة على إنتاج الأسئلة، ومع مرور الزمن تنعكس هذه البنية على الممارسة المسرحية، فيتحول العرض إلى خطاب تعليمي، ويغدو الكاتب أو المخرج مالكا للحقيقة، بينما يختزل الجمهور في دور المتلقي الذي ينتظر الخاتمة أكثر مما يشارك في صناعة المعنى، هنا تنتصر ثقافة اليقين على ثقافة الحوار، ويصبح السؤال فعلا مقلقا لأنه يهز البنى الفكرية المستقرة،
لكن القراءة البسيكودرامية تكشف بعدا أعمق من ذلك، فالخوف من السؤال لا يعبر دائما عن موقف فكري فحسب، بل قد يعكس في بعض السياقات، آليات دفاع نفسية، كما قد يكون نتاجا لبنيات اجتماعية وتربوية تعودت البحث عن الطمأنينة أكثر من اعتيادها مواجهة الشك. الإنسان بطبعه يميل إلى الإجابة النهائية لأنها تمنحه شعورا بالأمان، بينما السؤال يوقظ القلق ويدعو إلى مراجعة الذات، ويكشف التناقضات التي ظلت كامنة في الفرد والجماعة، لذلك المسرح لا يزيل أجوبة هذا القلق، بل يؤجله، في حين يتيح مسرح السؤال تحويله إلى مدخل للفهم وإعادة التفكير، من هنا تختلف وظيفة المسرح البسيكودرامي عن المسرح الوعظي، فالمسرح الوعظي يقدم أجوبة جاهزة، أما المسرح البسيكودرامي فيعيد تمثيل الصراعات النفسية والاجتماعية حتى يرى الإنسان ذاته منعكسة على الخشبة، إنه لا يفرض على المتلقي حقيقة نهائية، بل يدعوه إلى المشاركة في اكتشافها، فالتجربة المسرحية لا تكتمل عندما يسمع الإنسان الجواب، وإنما عندما يصبح السؤال جزءا من تجربته الداخلية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المسرح هو أن يعتقد أن مهمته تنتهي عند تقديم الإجابات، فكل إجابة مغلقة قد تتحول إلى سلطة جديدة، بينما يبقى السؤال فعلا تحرريا يرفض احتكار الحقيقة، ومن هنا يمكن القول إن الأجوبة ليست أصل الأسئلة، بل الأسئلة هي التي تلد الأجوبة، فكل معرفة إنسانية بدأت بسؤال، وكل تحول حضاري انطلق من مساءلة ما كان يبدو بديهيا، لذلك لا تقاس قيمة المسرح بعدد الرسائل التي يقدمها، بل بقدرته على إنجاب أسئلة جديدة توسع أفق التفكير.
من المنظور البسيكودرامي، الشخصية المسرحية ليست مجرد دور يؤديه الممثل، بل هي تمثيل لصراع نفسي واجتماعي يعيش داخل الإنسان نفسه، وكل صراع ينتهي بجواب نهائي يفقد كثيرا من طاقته الدرامية، لأن النفس الإنسانية لا تتحرك داخل اليقين المطلق، بل داخل الاحتمال والتردد والبحث المستمر، لهذا فإن السؤال ليس زينة فلسفية تضاف إلى العرض، بل هو البنية العميقة التي تمنح الفعل الدرامي حياته.
إن المجتمع الذي يضيق بالأسئلة، يحد تدريجيا من قدرته على إنتاج التفكير النقدي، والمسرح الذي يخشى السؤال قد يتحول إلى خطاب يقيني أكثر منه فضاء للحوار، أما المسرح الذي يحتضن السؤال، فإنه يجعل المتلقي شريكا في إنتاج المعنى، ويعيد للإنسان وظيفته الأساسية بوصفه كائنا مفكرا، قادرا على مراجعة يقيناته وإعادة بناء وعيه.
في هذا السياق يمكن اقتراح مفهوم * بسيكودراما السؤال* بوصفه مقاربة تجعل السؤال لا الجواب، المحرك الرئيس للفعل المسرحي، فالمقصود بهذا المفهوم ليس مسرحا يبحث عن إجابات مؤجلة، وإنما مسرح يجعل من السؤال نفسه طاقة نفسية واجتماعية تكشف المستور، وتحرك الصراع، وتدفع الفرد إلى إعادة تأويل ذاته وعلاقته بالآخرين وبالعالم، وهكذا يتحول السؤال من أداة معرفية إلى فعل درامي يحرر الإنسان من سلطة الأجوبة الموروثة، ويفتح أمامه إمكان إعادة كتابة ذاته.
السؤال لا يموت، لأنه يولد كلما ظنت الإجابة أنها الأخيرة، وما دام الإنسان يعيش صراعا دائما بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، فإن المسرح سيظل محتاجا إلى السؤال أكثر من حاجته إلى الجواب، فالسؤال هو الذي يمنح الدراما حيويتها، ويمنح المجتمع قدرته على النقد، ويمنح الإنسان حريته، لذلك فإن مستقبل المسرح لا يصنعه تراكم الأجوبة، بل استمرار القدرة على طرح الأسئلة التي توقظ الوعي وتحرر الخيال وتجعل الإنسان شريكا في صناعة المعنى، لا مجرد متلق له.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة