قوافل نساء تسير في إتجاه مقابر الحياة.

habibtarik19 يوليو 2026121 مشاهدةآخر تحديث :
قوافل نساء تسير في إتجاه مقابر الحياة.

أخبار الشعب/ حليمة انفينيف اللوزي

 

من نافذتي الصغيرة المطلة على الحي الصناعي بحد السوالم، أرى مصانع و واجهات زجاجية تلمع،وكذلك أرى شيئا آخر،أرى زحفا صامتا لأشباح في وضح النهار، وفي عتمة الظلام الذي لا يزال لاصقا بالجدران كثوب أسود وأسمعه أولا قبل أن أراه،صوت أقدام متعجلة، مترددة، كأنها تعدو نحو مصير محتوم. أطلّ فأراهن نساء،نساء من كل الأعمار بعضهن ما زال في العشرين، لكن التجاعيد سبقتهن إليه، أخريات شعرهن الأبيض يختبئ تحت منديل بالٍ جئن من حد السوالم، ومن القرى المجاورة، ومن مدن بعيدة رمتهن الريح هنا بحثا عن “لقمة العيش” — تلك الكلمة التي صارت سيفا على رقابهن،

كل واحدة منهن تحمل قصة على ظهرها أثقل من الحقيبة التي تمسكها بيد مرتجفة،

هذه تسدد دين بيت اشترته بالتقسيط من البنك، وكل شهر يتضخم كوحش يبتلع راتبها،وتلك تساعد زوجا أنهكته البطالة، فصارت هي المعيل والسند والجدار،

وهناك مطلقة لا باب لها إلا هذا الباب الحديدي للمعمل أو الشركة، وعازبة تعدّ الدقائق حتى توفر كراء الغرفة،

الأسباب كثيرة، والدوافع واحدة: البقاء ولا خيار بعده.

يدخلن إلى تلك الوحدات الصناعية فيدخلن سجنا بلا قضبان،يخيل إليّ أن الأبواب تغلق خلفهن بصوت يشبه صوت القبر، داخلها، تذوب الكرامة كما يذوب الشمع تحت حرارة الآلات،إهانة تُلقى كالأوامر، وظلم يُوزن بالدقيقة والثانية، وعبودية مقنّعة ببطاقة تعريف وراتب زهيد،. سنوات الاستعمار انتهت من الكتب، لكنها عادت تلبس بذلة عمل وتجلس على كرسي بلاستيكي في خط الإنتاج. يخرجن في آخر النهار مثقلات لا بأكياس بل بأرواح مستنزفة،أجسادهن تتحرك، لكن شبابهن بقي هناك مدفونا بين المكائن، أنوثتهن؟ دفعنها ثمنًا صحتهن؟ رهنوها سعادتهن؟ بعنها بأبخس الأثمان،وأشد ما يوجعني، هو منتصف الليل،

حين يعود الظلام مرة أخرى، أراهن قادمات،متسلحات بالدعاء، وبالخوف الذي يسبقهن بخطوة، يعبرن الأزقة الخالية، والشوارع التي تنام بلا رحمة،عيونهن لا تنظر للأمام، بل تلتفت للخلف كل ثوانٍ، قطاع الطرق يتربصون، واللصوص ينتظرون حقيبة فيها راتب شهر او هاتف محمول،وفي أحيان كثيرة، يعُدن بجرح في الوجه، بندبة ستبقى شاهدة على أن الحقوق التي يدعونها لم تحمهن.

أتساءل: أي مجتمع هذا الذي يجعل بناته يركضن بين الرصاص الصامت للفقر وبين السكاكين الحقيقية في الزقاق؟إنني أسميها الآن بلا تردد: مقابرنعم، المناطق الصناعية في حد السوالم وفي كل المدن مقابر،لكنها مقابر من نوع غريب… يدفن فيها الإنسان وهو حي،يدفن شبابه، وصحته، وأحلامه، وضحكته. وفي كل يوم عمل، تُحفر لهن حفرة جديدة داخل الروح.كتبت هاته الكلمات والجمل وأنا أغلق النافذة بيدي، كأنني أريد أن أغلق المشهد كله، لكنه لا يغلق. لأنهن سيخرجن غدا مرة أخرى، وقبل الفجر، وسيعدن في منتصف الليل،وسأبقى أنا… أرَاهن، وأكتب، وأبكي بصمت، على مجتمع يدفن نساءه وهن على قيد الحياة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة