أخبار الشعب / البشيري بنرابح
قبل ما يقارب ثلاثة عقود، قدم فيلم The Truman Show حكاية رجل اكتشف أن حياته لم تكن سوى عرض يُدار من خلف الكواليس، يومها بدا الأمر مجرد خيال سينمائي، أما اليوم فيبدو السؤال الذي يطرحه الفيلم أكثر واقعية من أي وقت مضى هل نعيش حياتنا كما نختارها نحن، أم كما يرسمها لنا الآخرون؟
لم يكن ترومان سجين جدران أو قضبان، بل كان سجين صورة متقنة الصنع، كل ما أحاط به بدا طبيعيا لكنه كان موجها بعناية، مخاوفه، علاقاته، طموحاته، وحتى حدود العالم الذي ظنه حقيقيا، كانت جزءا من سيناريو كتب له قبل أن يدرك أن له الحق في أن يختار بنفسه.
البعض يضن أن هذه الحكاية بعيدة عن واقعنا المغربي، لكنها في الحقيقة أقرب إلينا مما نتخيل…..كم من الشباب باتوا يعتقدون أن النجاح لا يتحقق إلا خارج الوطن؟ وكم من شخص يتبنى رأيا لأنه تكرر أمامه آلاف المرات، أو يشارك خبرا دون أن يسأل عن مصدره أو الغاية من نشره؟ في زمن المنصات الرقمية، لم يعد تشكيل الرأي العام يحتاج إلى القوة، بل يكفي أحيانا تكرار الرسالة حتى تبدو حقيقة…….الهجرة الجماعية التي يخاطر فيها شباب بأرواحهم بحثا عن مستقبل أفضل، إلى المحتوى الرقمي القادر على صناعة الأبطال أو هدم السمعة في ساعات قليلة، تتجدد أمامنا أسئلة الفيلم نفسها، هل نصنع اختياراتنا بحرية، أم أن هناك من يصنعها لنا بهدوء حتى نظن أنها قراراتنا؟
تكمن عبقرية The Truman Show في أنه لا يمنح المشاهد أجوبة جاهزة، بل يدفعه إلى مراجعة حساباته وتصوراته، بل يذكرنا بأن أخطر أنواع القيود ليست تلك التي تُفرض علينا من الخارج، بل تلك التي تستقر في عقولنا حتى تصبح جزءا من شخصياتنا، فالخوف من الفشل، من التغيير، أو من مخالفة السائد، قد يكون أشد قسوة من أي قيد مادي،
لذلك المجتمع المغربي يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ترسيخ ثقافة التفكير النقدي، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الخبر والإشاعة، وبين النقد المسؤول والانفعال العابر…..لهذا أجدني كلما ضاقت بي الأسئلة أو تشابكت أمامي تعقيدات الواقع، أعود إلى مشاهدة هذا الفيلم من جديد،بحثا عن بداية جديدة للتفكير، وعن ترتيب مختلف للأجوبة التي تتغير كلما تغيرت نظرتنا إلى الحياة.
ترومان سيبقى خالدا في الذاكرة، لا لأنه هرب من عالم مزيف فحسب، بل لأنه امتلك شجاعة الشك، وشجاعة البحث، وفتح الباب الذي خشي الجميع الاقتراب منه.
السؤال الذي تركه ترومان معلقا منذ أكثر من ربع قرن، ما يزال ينتظر جوابا من كل واحد منا هل نعيش حياتنا كما نريدها نحن… أم كما يريدها الآخرون لنا؟











