أخبار الشعب / حليمة انفينيف اللوزي
مع كل دقة لحوافر الخيل في مواسم لتبوريدة الكبرى انطلاقا من موسم مولاي عبد الله أمغار إلى باقي المواسم بجهات وأقاليم المملكة تتجدد صورة المغرب الأصيل: البارود و الخيالة واللباس التقليدي، والفرجة الشعبية،
لكن خلف هذا المشهد الاحتفالي، تتحرك في الظل شبكات أخرى،شبكات لا علاقة لها بالتراث، بل بتجارة رائجة لا تزدهر إلا في مواسم التجمع البشري الكبير إنها تجارة المخدرات والخمور والمواد المسكرة،حيث لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن سياقها،مواسم التبوريدة تستقطب مئات الآلاف خلال أيام معدودة. هذا الزخم البشري والمالي يشكل وسيلة إغراء استراتيجيا لمروجي الممنوعات ،المعادلة بسيطة لدى هؤلاء: كثافة الطلب زد على ذلك غياب الرقابة المجتمعية ثم الطابع الليلي للسهرات يكون الناتج سوق مربح،ولذلك تتحول بعض الدواوير بالعالم القروي وبعض الأحياء بالعالم الحضري القريبة من المواسم إلى نقاط توزيع، ويتم التسابق على وجه السرعة بين بعض ذوي الاختصاص من أجل إنتاج كميات تفوق المعقول من مسكر ماء الحياة او المعروف باللهجة العامية ب “الماحيا” وغيره، بهدف ضخها في السوق الموازية للمواسم من طراز مولاي عبد الله أمغار وما يماثله من مواسم،هنا لم تعد القضية قضية مستهلكين أفراد فقط، بل مخطط إجرامي متكامل: إنتاج، تخزين، توزيع، وترويج مرتبط بأجندة موسمية وبما أنه خلال فترات مواسم التبوريدة يقتصر النقاش العمومي على مشهد الإيقافات داخل موسم معين حولعدد الأشخاص الموقوفين في حالة سكر أو عراك او إخلال بالنظام العام، وهو دور مهم، لكنه يبقى تعاملا مع الأثر لا مع السبب وفي هاته الحالة أصبح الحديث عن النجاعة الامنية
النجاعة الحقيقية للأجهزة الأمنية يقاس اليوم بقدرتها على استباق النوايا الإجرامية، أي الانتقال من منطق التدخل اللحظي إلى منطق تفكيك البؤر المنتجة قبل أن تصل منتجاتها إلى المستهلك،وفي هذا السياق، تبرُز عملية نوعية قامت بها عناصر الدرك الملكي بأولاد عبو، بدوار الدحاح فقد تم إلقاء القبض على منتج ومروج لمسكر الماحيا، وحجز ما يفوق أربعة أطنان من هذه المادة،رقم ليس بالهين، ويكشف حجم المخطط المعد للترويج خلال هاته الفترة التي تشهد رواج مواسم كبيرة وذات استقطاب بشري هام هذه العملية تحمل دلالة عميقة: الأمن الناجع ليس هو من يملأ المحاضر داخل الموسم، بل من يقطع الطريق على وصول البضاعة أصلا و هو الأمن الذي يضرب في عمق سلسلة الإنتاج والترويج.
عملية أولاد عبو بقيادة قائد المركز تطرح سؤالا مشروعا على باقي الأجهزة الأمنية بمختلف الأقاليم:
هل سنعمم منطق الاستباق وتجفيف المنابع؟ أم سنكتفي بمنطق التواجد المكثف وتأمين السهرات وضبط المخالفات داخل أسوار الموسم فقط؟؟!
المطلوب اليوم هو مقاربة أمنية مندمجة،ذات أطراف متكاملة أولها استخبارات ترابية استباقيةمن أجل رصد البؤر الإنتاجية قبل أسابيع وأيام من انطلاق المواسم.
وثانيها التنسيق بين الأجهزة الدرك الملكي و الأمن الوطني و السلطات المحلية، والوقاية المدنية لخنق مسالك التوزيع.
اما الشريك الثالث فهوالمقاربة المجتمعية وهو دور الجمعيات المحلية في التوعية بخطورة هذه الظاهرة على صورة الموسم وعلى الشباب.
مواسم التبوريدة إرث لا يجب أن يُختطف، أصالة الخيل والبارود لا يمكن أن تتلطخ بسوق الممنوعات،
وإذا كان التجار يخططون موسميا، فعلى الأجهزة الأمنية أن تخط قبل الموسم،
فالعملية الامنية الاستباقية لدرك أولاد عبو تثبت أن المعركة الحقيقية لا تكون في ساحة العرض، بل في الدواوير والبؤر التي تُطهى فيها الجريمة، فهل ستكون هذه العملية بداية لعقيدة أمنية جديدة في تدبير المواسم، أم ستبقى حالة فردية؟الأيام والمواسم القادمة وحدها الكفيلة بالإجابة.












