حفل توقيع كتاب   «مصطفى خليلي بين التراث والحال»  التوثيق الثقافي وصيانة الذاكرة الفنية للصويرة

مصطفى شعب13 أغسطس 202653 مشاهدةآخر تحديث :
حفل توقيع كتاب   «مصطفى خليلي بين التراث والحال»  التوثيق الثقافي وصيانة الذاكرة الفنية للصويرة

احتضنت دار الصويري مؤخرا لقاءً ثقافيا وفنيا اتخذ من الكتاب والتوثيق مدخلا لاستحضار جانب من الذاكرة الإبداعية لمدينة الصويرة، وذلك بمناسبة توقيع مؤلف » مصطفى خليلي بين التراث والحال « للباحث والفنان حسن هموش الصويري. وقد بادرت إلى تنظيم هذا الموعد جمعية أصدقاء الكلمة بتنسيق مع جمعية ساحة الفنانين، وبشراكة مع جمعية الصويرة موكادور، والمديرية الإقليمية لقطاع الثقافة بالصويرة، وجماعة الصويرة، وشركة الصناع للإنتاج الفني. وقد عكس هذا التعاون المؤسسي والجمعوي وعياً بأهمية الثقافة باعتبارها فعلاً جماعياً يساهم في حفظ الذاكرة، وترسيخ الاعتراف بالمبدعين، وربط التجربة الفردية بالسياق الثقافي العام.

ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة احتفالية لإصدار جديد، بل شكل محطة للتأمل في وظيفة الكتاب بوصفه وعاءً للذاكرة الثقافية ووسيلة لتحويل التجارب الشفوية من دائرة التداول المحدود إلى فضاء التوثيق المكتوب. ومن هذا المنظور، يكتسب الكتاب أهميته لكونه يفتح أمام الأجيال الجديدة إمكانية التعرف على شخصيات أسهمت في تشكيل المشهد الفني للصويرة، كما يتيح إعادة قراءة علاقة المدينة بتراثها الموسيقي والمسرحي والشفهي.

وشارك في هذا الموعد عدد من الفاعلين في الحقل الثقافي والفني، من بينهم الباحث والفنان أحمد حروز ممثل جمعية الصويرة موكادور، والفاعل الثقافي يوسف أسكور رئيس جمعية أصدقاء الكلمة، والفنان عبد الرحمان رشد نائب رئيس جمعية ساحة الفنانين، والمنتج علي الصناع، والباحث حسن هموش، والناقد الفني د. عبد الله الشيخ، والفنان مصطفى خليلي رئيس جمعية ساحة الفنانين، فيما تولى الشاعر نوفل السعيدي تقديم فقرات الحفل بأسلوب أدبي سلس. وقد انفتح البرنامج على التعبير الموسيقي من خلال منوعات كناوية وغيوانية من عزف وأداء الفنان يونس باكا رفقة الفنان مصطفى دحاوي، فضلا عن وصلات مستمدة من عيون العيطة الشياظمية، أمام جمهور غفير من المثقفين والفنانين والإعلاميين.

ويأتي الكتاب الصادر عن منشورات رباط نت بالرباط ضمن جنس السيرة الغيرية القائمة على توثيق التراث الشفهي وتثبيته في صيغة مكتوبة. وتكمن قيمته الأساسية في الجمع بين البعد البيوغرافي والبعد الثقافي؛ فهو يرصد مسار مصطفى خليلي، وفي الوقت ذاته يستعيد مكونات من التراث اللامادي للصويرة التي ارتبطت بتجربته الفنية. وقد أشرفت شركة الصناع للإنتاج الفني، بقيادة علي عباس الصناع، على إنتاج الكتاب وإخراجه، في مبادرة تعكس أهمية الشراكة بين الفاعلين الثقافيين في صيانة الذاكرة الفنية المغربية.

وفي هذا السياق، اعتبر أحمد حروز أن الاحتفاء بالشخصيات الفنية والثقافية المحلية لا ينبغي اختزاله في تكريم فردي، بل يتعين النظر إليه باعتباره اعترافاً بإسهامات هؤلاء المبدعين في إثراء الثقافة الوطنية وتعزيز الإشعاع الثقافي للمدينة. أما يوسف أسكور، فقد أكد أن الاحتفاء بمصطفى خليلي هو احتفاء بجزء من الذاكرة الشعبية للصويرة، مشدداً على أن توثيق تجارب المبدعين المحليين يمثل مسؤولية ثقافية تجاه الأجيال المقبلة، خصوصاً في مدينة راكمت رصيداً استثنائياً من التنوع الفني والثقافي.

ومن جهته، أبرز عبد الرحمان رشد أن تكريم مصطفى خليلي يندرج ضمن الاعتراف بالفنان المغربي المتمسك بقيم الأصالة والانفتاح، وبالتراث باعتباره حاملاً لذاكرة المجتمع وروحه. كما نوه بالجهد البحثي الذي بذله حسن هموش الصويري، وبالدور الذي اضطلعت به مختلف الجهات المشاركة في إنجاح هذا المشروع الثقافي.

أما المنتج علي الصناع، فقد ربط دعمه للكتاب برغبة واضحة في توثيق حياة فنان راكم تجربة طويلة في المسرح المغربي، وظل مرتبطاً بالموسيقى والتراث الشعبي. وبهذا المعنى، يصبح الكتاب رسالة وفاء إلى فنان لم يكتف بحفظ التراث، وإنما كان جزءاً حياً من منظومته الثقافية.

ويكشف حسن هموش الصويري أن فكرة الكتاب تبلورت خلال مشاركته إلى جانب مصطفى خليلي في شريط » الناس لملاح« صيف سنة 2023، حيث أتاح له الاحتكاك المباشر بالفنان فرصة الإنصات إلى ذاكرة غنية تجمع بين الحمدوشي والرزون والملحون والغناء والتلحين والعيطة، فضلاً عن المسرح والدراما التلفزيونية والسينما. وقد اختار المؤلف بناءً حوارياً ومساراً كرونولوجياً لاستعادة محطات حياة خليلي، مستنداً إلى الشهادة الحية بوصفها مادة أساسية في كتابة الذاكرة.

وفي قراءة نقدية للكتاب، أكد د. عبد الله الشيخ أن المؤلف «يوثق لتجربة إنسانية قبل أن يوثق لمسيرة فنية»، معتبرا أن قيمة العمل تتجاوز السيرة الفردية إلى بناء وثيقة ثقافية تسهم في حماية الذاكرة الفنية الوطنية. فمصطفى خليلي، من خلال تجربته الممتدة في المسرح والدراما والتلفزيون والسينما وفنون الملحون والرزون والعيطة الشياظمية والحمدوشي، يظهر بوصفه حلقة وصل بين الماضي والحاضر، وبين التراث ومقتضيات التعبير الفني المعاصر.

وتتأكد هذه الدلالة من المسار الشخصي والفني لمصطفى خليلي، المزداد سنة 1953 بدرب اللبانة بالصويرة، والمنحدر من بيئة روحية وثقافية عريقة. فقد ارتبط منذ طفولته بالموروث المحلي، قبل أن يتبلور تكوينه الفني في مجالات الغناء الأندلسي والشكوري والملحون، ثم يلتحق سنة 1981 بمدرسة الطيب الصديقي، ليواصل مساره في المسرح والموسيقى والدراما. وقد بدأ تجربته المسرحية في سن مبكرة من خلال مسرحية » اليتيم المظلوم«، قبل أن تتسع تجربته لتشمل مجالات موسيقية ودرامية وتلفزيونية وسينمائية متعددة.

وبذلك، يقدم » مصطفى خليلي بين التراث والحال « نموذجاً للكتابة التي تجعل من السيرة مدخلاً إلى التاريخ الثقافي، ومن الشهادة الفردية مادة لبناء الذاكرة الجماعية. فالكتاب لا يستعيد حياة فنان فحسب، وإنما يوثق جزءاً من تاريخ الصويرة الفني والشفهي، ويؤكد أن حفظ ذاكرة المبدعين ليس فعلا من الماضي، بل مسؤولية معرفية وثقافية تجاه المستقبل. ومن ثم، فإن صيانة الذاكرة الفنية لمصطفى خليلي هي، في عمقها، صيانة لجزء من ذاكرة الصويرة وثرائها الثقافي، وإسهام في حماية جانب من الذاكرة المغربية من النسيان والاندثار.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة