أخبار الشعب /
ـ بقلم: مصطفى حناوي ـ
جئنا فوجدنا المكننة، ثم جاء الحاسوب، ثم الرقمنة، واليوم نجد أنفسنا وجها لوجه أمام الذكاء الاصطناعي. لم يعد السؤال هل سيأتي أم لا، لأنه أتى فعلا واستقر بيننا، يكتب ويصمم ويحلل ويصنع، والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو كيف سنتعايش معه.
لا يمكننا أن ننكر أن ما يحدث هو تطور علمي طبيعي سبقنا إليه العالم. شركات كبرى في الخارج بدأت تستغني عن مئات الموظفين وتعوضهم بخوارزمية تشتغل ليل نهار ولا تطلب أجرا. هذا واقع مفروض شئنا أم أبينا، وإنكاره لن يوقف القطار. بل علينا أن نفكر كيف نركب فيه لا كيف نقف أمامه.
وهنا تظهر فرصة حقيقية لبلدنا. هذا الذكاء الجديد لا يحتاج إلى معامل ضخمة ولا إلى رؤوس أموال خيالية، يحتاج فقط إلى عقل كبير وحاسوب متصل بالأنترنت. شبابنا قادر أن يؤسس شركات صغرى ومتوسطة تقدم خدمات ذكية للسوق الخارجية وتخلق عملة صعبة وتوازنا اقتصاديا جديدا، إذا ما وجد التشجيع والتبسيط.
لكن كل هذا التقدم يطرح سؤالا أخلاقيا كبيرا، أين الإنسان؟ إذا كان الروبوت سيعمل في المعمل والبرنامج سيكتب المقال ويصمم الصورة، فماذا سيفعل الإنسان البسيط؟ كيف سيأكل وكيف سيحفظ كرامته؟ إن التقدم بدون عدالة اجتماعية يتحول إلى ظلم صريح، ولا يمكن أن نربح المعركة التكنولوجية ونخسر معركة الإنسان.
وهنا بالضبط يأتي دور الدولة الاجتماعية التي نادى بها جلالة الملك. الدولة الاجتماعية ليست شعارا يرفع، بل هي عقد بين الدولة والمواطن. حق المواطن في الشغل وفي إعادة التأهيل وفي العيش الكريم، وواجبه في التعلم والتأقلم مع مستجدات عصره. المطلوب اليوم ليس مجرد منحة شهرية تسكت الجوع، بل خطة وطنية حقيقية لإعادة تأهيل الإنسان، مراكز جهوية تعلم الناس كيف يتعاملون مع هذه الأدوات الجديدة ولا تعلمهم كيف ينافسونها لأن منافستها مستحيلة.
لقد كرمنا الله سبحانه وتعالى وقال في كتابه العزيز “ولقد كرمنا بني آدم”، وهذا التكريم يفرض علينا أن نضمن لكل مواطن دخلا يحفظ ماء وجهه في مرحلة التحول هذه، حتى يجد مكانه الجديد. الآلة مهما تطورت ستبقى مرآة لنا، إن كنا طيبين أعطتنا طيبا وإن كنا جشعين ضاعفت جشعنا.
وفي النهاية، الذكاء الاصطناعي سيهز لنا المورال إذا استخدمناه ليمحو الإنسان، لكنه سيصبح ظلا ضليلا يحمينا إذا استخدمناه ليرفع من قيمة الإنسان.
مصطفى حناوي










