تتغذى المدن ذات العرَاقة على صُورها الذهنية التي تسوّقها للعالم؛ مدنٌ تنشدُ الثقافةَ، وتتغنى بالجمال، وتستحضر تاريخها حاضرةً للذوقِ والفن. غيرَ أن الصدمة الحقيقية لا تأتي من الشعارات المرفوعة في المحافل، بل من الواقع العاري حين يُصطدم به على أرض الميدان؛ واقعٌ تختزله مشاهِدٌ تختصرُ مسافةً شاسعة بين الإعلانِ والتدبير.
أن تُوضع حاوياتُ الأزبال والنفاياتِ في الواجهةِ الخلفية لـ المعهد الجماعي للموسيقى بالصويرة، لترسلَ روائحَها الكريهة ومظاهِرها المزعجة إلى قلبِ فضاءٍ أُنشئ أساساً لتهذيبِ الأرواح وصقلِ المواهب، فتلك ليست مجرد زلةٍ تنظيمية أو خطأٍ تقني عابر؛ بل هي صورةٌ صريحة لما يمكن تسميته بـ “التهميش المعقلن” ومسٌّ مباشر بحرمة مؤسسةٍ تُعنى بالتنشئة الجمالية والتربية الفنية.
مفارقةٌ صارخة بين التسويق والواقع
كيف للمرء أن يُقنع أُسراً وشباباً بالإقبالِ على معهدٍ فني، في الوقت الذي أصبحت فيه الحاوياتُ أولَ ما يستقبلُ مرتاديه، وأضحى أذاها يقتحمُ القاعاتِ والحجرات؟ إن تراجعَ نسبة المسجلين وعزوفَ الكثيرين ليس سلوكاً عفوياً ولا تقاعساً عن التعلّم، بل هو موقفٌ طبيعي وردّ فعلٍ منطقي تجاه بيئةٍ لم تُوفَّر لها أدنى شروط النظافة والوقار الإداري والجمالي.
إن المؤسسات الموسيقية والفنية في كل حواضر العالم العريقة تُحاط بهالةٍ من العناية؛ لأنها واجهاتٌ حضارية تعكس مدى احترامِ المجتمع للمعرفِة والفن. أما أن تتحول واجهةُ المعهد أو محيطه الخلفي إلى مطرحٍ بئيسٍ للحاويات، فهذا يبعثُ برسالةٍ سلبيّة مفادها أن الفنَ والتربية الجمالية يُعاملان كعنصرٍ هامشي لا يستحق حماية محيطه البيئي والبصري.
التهميش المعقلن واستحقاق التدخل الفوري
إن استمرار هذا الوضع يطرحُ أسئلةً حارقة على الجهاتِ القائمة على تدبير الشأن المحلي وقطاع النظافة والبيئة بالمدينة:
أين هي معايير حماية البيئة المدرسية والثقافية؟ هل يُعقل أن تُحمى واجهاتٌ بعينها لتسويق المدينة عالمياً، بينما يُترك صرحٌ تعليمي وثقافي لمواجهة التلوث والروائح؟
كيف يُنتظر من مؤسسةٍ فنية أن تؤدي رسالتها النبيلة في الاستقطاب والإبداع وهي محاصرةٌ بمظاهر الإهمال التي تنفّر الراغبين في الالتحاق بها؟
إن الفن ليس ترفاً زائدًا، والمعهد الموسيقي ليس مرفقاً هامشياً؛ بل هو شريانٌ حيوي في جسد الصويرة الثقافي. وإن رفع هذا الضرر البيئي والنفسي فوراً، وإبعاد تلك الحاويات عن محيط المعهد، ليس مجرد مطلبٍ خدمي، بل هو واجبٌ مسؤول لردّ الاعتبار لمؤسسةٍ تعليمية ولحقّ أبناء المدينة في فضاءٍ نقيّ يليق بالجمال والإبداع.
حين تُحاصرُ العزوفَ روائحُ الإهمال.. معهدُ الموسيقى بالصويرة بين شعارات الأناقة وواقع الحاويات









