بقلم: تلاميذ ثانوية بروج المعرفة، في إطار المشاركة بمسابقة الصحفيون الشباب من أجل البيئة.

MOSTAFA CHAAB13 أبريل 2025141 مشاهدةآخر تحديث :
بقلم: تلاميذ ثانوية بروج المعرفة، في إطار المشاركة بمسابقة الصحفيون الشباب من أجل البيئة.

اخبار الشعب/

 

 

في عالم يتسارع فيه الحديث عن التنمية المستدامة وضرورة الحفاظ على بيئة صحية ونظيفة، لا تزال بعض أحيائنا تقاوم التغيير غارقة في سلوكيات غير مسؤولة تجاه فضائها المشترك، وعلى رأس هذه السلوكيات التي تهدد صحتنا وبيئتنا، تبرز ظاهرة رمي النفايات في الأماكن العامة، أصبحت عبارة “يا سابع جار” التي كنا نرددها في حياتنا اليومية اليوم، رمزا لمعاناة بيئية واجتماعية حقيقية تحمل في طياتها أوجاعا عميقة تشير إلى اختلال العلاقة بين الإنسان ومحيطه.

 

إن الواقع البيئي في العديد من الأحياء أصبح غير مقبول، على الرغم من الوعي المتزايد الذي كان من المفترض أن يتطور مع مرور الزمن، فالنفايات تُرمى هنا وهناك دون أي اعتبار والشوارع تتحول إلى بؤر فوضوية من أكوام القمامة، الحاويات تُستخدم بشكل عشوائي أو يُغض الطرف عن وجودها والمارة يتجاوزون أكوام الأزبال وكأنها جزء لا يتجزأ من المنظر الطبيعي للمدينة، القضية ليست في النفايات نفسها فحسب، بل في قبولنا لها كأمر عادي وفي صمتنا عن سلوكيات أصبحت تهدد حياتنا وصحتنا وكرامتنا.

 

إن الأبعاد البيئية لهذا السلوك المدمّر واضحة ولا تحتاج إلى مزيد من الشرح، فالنفايات المتراكمة تشكل بيئة مثالية لنمو الحشرات والجراثيم مما يؤدي إلى انتشار الأمراض الجلدية والتنفّسية، فضلاً عن تلوث المياه الجوفية والهواء، الحيوانات الضالة التي تبحث عن طعام بين القمامة قد تتسمم أو تمرض من جراء تناول مواد سامة، الطيور بدورها تبتلع قطع البلاستيك مما يعرّضها للاختناق أو التشوّهات القاتلة، هذه الظاهرة لا تضر فقط الحيوانات بل تشمل الإنسان الذي يعيش في وسط بيئة ملوثة.

 

ومع ذلك، فإن البُعد البيئي ليس سوى جزء من المشكلة، فالثقافة الاجتماعية السائدة اليوم تساهم بشكل كبير في تفشي هذا السلوك “ماشي شغلي”، “أنا غير دايز”، “كاين اللي ينقي”، هذه عبارات تُظهر كيف أصبحنا نتهرب من المسؤولية الجماعية مُحمّلين عمال النظافة وحدهم عبء الحفاظ على نظافة الشوارع، غاب الإحساس بالانتماء للمكان وفقدنا تلك الروح الجماعية التي كانت تجعلنا نعتبر الشارع امتداداً لبيوتنا، كان الجار في الماضي يحرص على تنظيف باب داره وباب جاره، لكن أين هذا الحس الجماعي الآن؟

 

ولا يمكننا إغفال الأثر الاقتصادي الخطير لهذه الظاهرة، المدن التي تعاني من تراكم النفايات تفقد جاذبيتها الاقتصادية والسياحية، ما يؤدي إلى انخفاض قيمة العقارات وتزايد نسب البطالة بسبب ضعف النشاط الاقتصادي، كما أن الجماعات المحلية تضطر لإنفاق مبالغ ضخمة سنوياً على تنظيف الشوارع، بينما كان من الممكن استثمار هذه الأموال في تحسين البنية التحتية أو دعم قطاعات أخرى مثل التعليم والصحة.

 

رغم كل هذه التحديات، فإن الأمل لا يزال قائماً التغيير لا يتطلب معجزات، بل يبدأ بخطوات بسيطة من كل فرد في المجتمع، يبدأ بتربية الأبناء على احترام البيئة والمشاركة في حملات التوعية والتحدث مع الجيران والتذكير بأن الشارع ليس ملكاً عاماً فقط، بل هو مسؤولية جماعية بدلاً من البكاء على حال الزنقة، لنكن جزءاً من تغييره.

 

“يا سابع جار” ليست مجرد صرخة بيئية، بل هي دعوة لإعادة بناء الثقة المجتمعية وإحياء معاني الجيرة واستعادة روح التضامن والتعاون، النظافة ليست ترفاً أو واجباً موسميًا، بل هي سلوك حضاري وعلامة على احترام الذات والآخرين، وإذا كان الماء هو أصل الحياة كما ورد في قوله تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”، فإن النظافة هي روح هذه الحياة وشرط لاستمرارها.

 

إذا كنا لا نريد أن نستمر في الصمت، يجب أن ننتقل من التذمّر إلى الفعل من لوم الآخرين إلى تحمّل المسؤولية بأنفسنا، لأننا ببساطة إذا لم ننظف عقولنا أولاً فلن تنظف شوارعنا مهما كثُرت حملات النظافة.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة