اخبار الشعب/هند بومديان
في لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها الانتظارات الشعبية مع تصاعد الغضب الاجتماعي، أطلّ الملك محمد السادس نصره الله على ممثلي الأمة تحت قبة البرلمان في افتتاح الدورة التشريعية، بخطاب حمل من الهدوء الملكي ما يكفي لطمأنة الداخل، ومن الصرامة ما يكفي لتأنيب الفاعلين السياسيين والإداريين. لم يكن الخطاب مجرد إجراء بروتوكولي كما جرت العادة، بل كان بمثابة عملية إعادة ضبط شاملة للمعادلة السياسية بين الدولة والمجتمع، في زمن أصبح فيه صدى الشارع يعلو على صوت المؤسسات.
الملك محمد السادس نصره الله تحدث هذه المرة بلغة واضحة لا تحتمل التأويل، موجهاً رسائل مباشرة إلى الحكومة والبرلمان والأحزاب على حد سواء. دعاهم إلى تجاوز الخطابات الاستعراضية والالتفات إلى جوهر الفعل السياسي، أي خدمة المواطن في معيشه اليومي لا في وعود البرامج الانتخابية. فحين يُشير جلالته نصره الله إلى ضرورة تسريع وتيرة الإصلاحات الاجتماعية وربطها بالمشاريع الكبرى، فإنه بذلك يقرّ ضمنياً بوجود خلل في التوازن بين ما يُعلن وما يُنجز، بين لغة الوعود وصمت الواقع. لقد بدا الخطاب كمرآة عاكسة لخيبة المواطن من ضعف الأداء السياسي، وكصفعة أخلاقية لكل من اختزل الممارسة في الكراسي والمناصب بدل النتائج الملموسة.
ومن بين الرسائل العميقة التي حملها الخطاب، تأكيد الملك محمد السادس نصره الله على ضرورة التكامل بين المؤسسات، فـ جلالته شدد على أن العمل التشريعي والتنفيذي يجب أن يسيرا في اتجاه واحد لا في خطين متوازيين متنافرين. هنا يضع الملك محمد السادس نصره الله يده على جرح السياسة المغربية: غياب التنسيق، وتنافر السلط، وضياع الزمن التنموي في تبادل الاتهامات. بهذا المعنى، بدا الخطاب كدعوة لإعادة الانسجام إلى جسد الدولة، بعد أن أنهكته الحسابات الحزبية الضيقة.
ولم يغب البعد الوطني عن مضمون الخطاب، إذ ذكّر الملك محمد السادس نصره الله بأن قضية الوحدة الترابية للمملكة تظل ثابتاً لا يقبل المساومة، مهما تغيرت الظروف الإقليمية والدولية. تلك إشارة إلى أن المغرب، وهو يواجه تحديات داخلية واجتماعية متزايدة، لا يفرّط في ثوابته الكبرى، ولا يسمح بأن تتحول الأزمات الداخلية إلى ثغرة في جدار السيادة الوطنية. إنها رسالة إلى الداخل والخارج معاً: أن الاستقرار السياسي للمغرب ليس ترفاً، بل خياراً استراتيجياً يحمى باليقظة لا بالشعارات.
ومع ذلك، فإن الخطاب، رغم ما حمله من نبرة حازمة، لم يخلُ من الأمل، بل بدا كنافذة جديدة نحو مصالحة الدولة مع الجيل الجديد من المواطنين، خصوصاً الشباب الذين عبّروا مؤخراً عن غضبهم من غياب العدالة الاجتماعية وتدهور الأوضاع المعيشية. لقد أراد الملك محمد السادس نصره الله أن يُذكّر الجميع بأن الإصلاح لا يتم بالصدام، بل بالمسؤولية، وأن الدولة القوية لا تُقاس بقبضتها الأمنية بل بثقة شعبها فيها.
إن ما يجعل هذا الخطاب متميزاً ليس فقط مضمونه، بل توقيته أيضاً. فالمغرب يعيش لحظة انتقالية حاسمة: سنة أخيرة من الولاية التشريعية، واحتقان اجتماعي متنامٍ، ووعي شعبي لم يعد يقبل بالوعود المؤجلة. لذلك يمكن القول إن الخطاب جاء ليعيد ترتيب الأولويات، ويضع النخبة السياسية أمام اختبار صعب: إما أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة وتترجم التوجيهات إلى أفعال، أو أن تترك المجال لبدائل جديدة تعبّر فعلاً عن نبض الشارع.
خطاب الملك محمد السادس نصره الله في البرلمان لم يكن موجهاً فقط إلى من في القاعة، بل إلى كل من في الوطن. كان بمثابة تنبيه راقٍ إلى أن السياسة ليست مجالاً للمناورة، بل خدمة عمومية تقوم على الصدق والكفاءة والمحاسبة. كان تذكيراً بأن الدولة المغربية ليست على استعداد لتكرار أخطاء الماضي، وأن زمن التهاون وشراء الوقت انتهى. لقد وضع الملك محمد السادس نصره الله الجميع أمام المرآة: حكومة، برلمان، أحزاب، وإدارات. والرسالة الأعمق كانت واضحة: من أراد أن يكون جزءاً من مستقبل المغرب، فعليه أن يثبت ذلك بالفعل لا بالكلام.
إن خطاب القبة كان لحظة مفصلية في تاريخ السياسة المغربية الحديثة، لأنه جمع بين الصرامة في المحاسبة والحكمة في التوجيه. فهو لم يُعلن أزمة، بل أعلن بداية مرحلة جديدة، عنوانها الواقعية والمصارحة.












