أخبار الشعب / هند بومدين
لم يكن العمل يوماً مجرد وسيلة لكسب القوت، بل كان فضاءً يُفترض أن يحقق فيه الإنسان كرامته من خلال جهده، ويُكافأ على عطائه بتقدير مادي ومعنوي. لكن في واقعنا اليوم، يتحول هذا الفضاء إلى ساحة استغلال، حيث يصبح العامل مجرد رقم في دفاتر المشغلين، تُستنزف طاقته دون أن يُمنح الحد الأدنى من الاحترام، ناهيك عن الأجر العادل.
في كثير من أماكن العمل، تغيب الرحمة لتحل محلها لغة الأوامر القاسية، ويُعتبر الأجر الهزيل “منّة” بدل أن يكون حقاً مستحقاً. يجد العامل نفسه مضطراً للصمت أمام الإهانات المتكررة، لأن البديل هو العطالة، والجوع. لا صوت يعلو فوق صوت الحاجة، ولا سند يحمي من تعسف أرباب العمل الذين يرون في العامل عبداً معاصراً، لا إنساناً يستحق الكرامة.
حين يتحول المشغل من راعٍ مسؤول إلى جلاد لا يهمه سوى أرباحه، يصبح مكان العمل سجناً نفسياً يقمع الأحلام ويكسر الطموحات. العامل الذي يفني يومه في العمل يعود إلى بيته مثقلاً بالهموم، وأجره الهزيل لا يكفي لسد حاجياته الأساسية، فما بالك بتحقيق حياة كريمة؟!
إن المعضلة ليست فقط في الأجور المتدنية التي لا تكفي حتى لتغطية مصاريف العيش اليومي، بل تتجاوزها إلى سوء المعاملة، وغياب التقدير. العمال يُعاملون كمجرد أدوات للإنتاج، أصواتهم غير مسموعة، وكرامتهم تُداس بأقدام “الباطرونة” الذين لا يرون فيهم سوى وسيلة لتحقيق المزيد من الأرباح.
ما الذي يمنع هؤلاء المشغلين من احترام من يكدحون لأجل إنجاح مشاريعهم؟ أين هي القوانين التي تحمي العامل من الاستغلال؟ أم أن هذه القوانين لا تعدو أن تكون حبرًا على ورق؟! إن الظلم الذي يتعرض له العديد من العمال في المغرب اليوم، سواء في القطاع الخاص أو حتى في بعض القطاعات العامة، لا يجب أن يمر مرور الكرام. لا يمكن أن تستمر منظومة العمل في سحق الإنسان بهذه الطريقة، دون أن تتحرك الأصوات الرافضة لهذا الاستعباد المقنع.
العامل ليس آلة، بل إنسان له حقوق، أولها احترام كرامته، وآخرها تمكينه من أجر عادل يضمن له حياة كريمة. وما لم تتحسن هذه الأوضاع، سيبقى الواقع العملي في بلادنا عنواناً للحيف والاستغلال، حيث تتحول “الباطرونة” من راعٍ يُفترض أن يحمي ويُرشد، إلى جلاد لا يعرف سوى لغة السوط والضغط.
في زمن تُرفع فيه الشعارات حول حقوق الإنسان وكرامة العامل، لا يزال الواقع مريراً، ليبقى السؤال معلقاً: متى سينتفض العامل لاسترجاع كرامته؟ ومتى ستتحول بيئة العمل إلى فضاء عادل، لا مقصلة تتساقط عليها أحلام البسطاء؟!











