الدار البيضاء تحتضن الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي

مصطفى شعب12 يوليو 202683 مشاهدةآخر تحديث :
الدار البيضاء تحتضن الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي

حين يتحول الإبداع إلى إنتاج للمعرفة

تحولت مدينة الدار البيضاء إلى فضاء للحوار الفكري والجمالي، باحتضانها أشغال الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي، الذي نظمته جمعية آرت وايف بفندق كنزي تاور، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والفنانين والنقاد والباحثين من عدد من الدول العربية. ولم يكن هذا اللقاء مجرد تظاهرة فنية تعرض فيها التجارب التشكيلية، بل شكل منصة علمية لمناقشة الأسئلة الفكرية التي يثيرها الفن المعاصر، في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والتكنولوجية وتتغير فيه وظائف الصورة ودلالاتها.

وجاء اختيار شعار “الفن المعاصر وأبعاده الفكرية” ليؤكد توجه المنظمين نحو تجاوز المقاربة الجمالية التقليدية للعمل الفني، والانتقال إلى مساءلة الفن باعتباره حقلاً لإنتاج المعرفة، ووسيلة لفهم التحولات التي يعرفها الإنسان والمجتمع. فقد أبرزت مختلف المداخلات أن الممارسة التشكيلية لم تعد تقتصر على إنتاج الأثر البصري، وإنما أصبحت خطاباً ثقافياً وفلسفياً يتفاعل مع قضايا الهوية والذاكرة والفضاء الرقمي والتكنولوجيا، ويسهم في بناء الوعي وإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان وعالمه.

وأدار أشغال الندوة الكاتب والناقد التشكيلي المغربي بنيونس عميروش، الذي قاد النقاشات بين المتدخلين، مبرزاً أهمية الانفتاح على المقاربات النقدية الجديدة، وداعياً إلى ترسيخ ثقافة البحث في الفنون البصرية بوصفها مجالاً معرفياً قائماً بذاته، لا مجرد ممارسة جمالية.

وشهدت الندوة مشاركة الباحث والفنان التشكيلي التونسي الدكتور غازي حسني، الذي توقف عند التحولات التي عرفها الخطاب التشكيلي المعاصر، من خلال قراءة نقدية استندت إلى مناهج حديثة في تحليل الصورة والخطاب البصري، مبرزاً أن الفن أصبح اليوم أداة للتفكير بقدر ما هو وسيلة للتعبير.

أما الفنان التشكيلي السعودي الدكتور أحمد السلامة، فقد قدم تجربة المدرسة التنقيطية التي يعد رائدها في العالم العربي، موضحاً أن هذا الاتجاه الفني يقوم على بناء الصورة من خلال نقاط لونية صغيرة توزع وفق أسس علمية مستمدة من نظريات اللون والإدراك البصري. وأكد أن هذا المنهج لا يقتصر على الجانب التقني، بل يجسد رؤية فكرية تجمع بين البحث العلمي والحس الجمالي، مع إعادة توظيف عناصر التراث والثقافة السعودية داخل لغة تشكيلية معاصرة قادرة على الحوار مع التجارب الفنية العالمية.

كما قاربت الفنانة التشكيلية المغربية والباحثة في مجال التعددية الثقافية، شلا زموري، تجليات التعدد الثقافي في الفن المغربي المعاصر، منطلقة من قراءة تضع التجربة التشكيلية الوطنية ضمن السياق التاريخي لمرحلة ما بعد الاستقلال، التي اتسمت بالسعي إلى بلورة هوية فنية مغربية متميزة، مع الانفتاح الواعي على التيارات الفنية العالمية.

وسلطت الضوء على حضور الموروث الثقافي المغربي في البنية البصرية للأعمال الفنية، من خلال تحليل الخطاب التشكيلي والرموز والعلامات والخامات التي ميزت أعمال فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة، باعتبارهم من أبرز رواد مدرسة الدار البيضاء. وأبرزت الكيفية التي نجح بها هؤلاء الفنانون في إعادة توظيف الأشكال والمواد المحلية لبناء حداثة تشكيلية مغربية أصيلة، قوامها التفاعل الخلاق والتعايش بين المرجعيات الثقافية المختلفة.
كما توقفت الباحثة عند عدد من المبادرات والملتقيات الفنية التي تجسد البعد متعدد الثقافات وآليات التفاعل والاستيعاب الثقافي، مؤكدة أن الفن المغربي المعاصر يشكل فضاءً دينامياً تتقاطع فيه التقاليد مع الحداثة، بما يفضي إلى إنتاج خطاب بصري وجمالية فنية يؤسسان لحوار ثقافي منفتح ومتجدد بين مختلف الحضارات.

واختتمت المداخلات الدكتورة كنزة الصحراوي، الباحثة الجامعية والفنانة التشكيلية التونسية، التي أكدت أن مستقبل الفن المعاصر رهين بتعزيز التكامل بين البحث الأكاديمي والممارسة الإبداعية، مشيرة إلى أن الدراسات الفنية أصبحت مطالبة بتطوير أدواتها المنهجية بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها الخطاب البصري المعاصر.

وأجمعت مختلف المداخلات على أن الفن المعاصر لم يعد ينتمي إلى دائرة الجماليات وحدها، بل تحول إلى مجال معرفي تتقاطع فيه الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والإعلامية. وأصبح الفنان المعاصر فاعلاً ثقافياً يشارك في مساءلة الواقع وإنتاج المعنى، مستثمراً الصورة بوصفها لغة قادرة على التعبير عن تعقيدات العصر.

وفي هذا السياق، شكلت الورقة الفكرية التي قدمها الناقد التشكيلي بنيونس عميروش إحدى أبرز المحطات الفكرية للملتقى، إذ حملت عنوان “التفكير بالنظر… خلفية للحضارة الجديدة”، وطرحت رؤية نقدية لمستقبل الفنون البصرية في ظل الثورة الرقمية.

وانطلقت هذه الرؤية من التأكيد على أن الفن العربي، رغم حضوره المتزايد، لا يزال بحاجة إلى ترسيخ مكانته داخل الفكر العربي الذي ظل، عبر تاريخه، يمنح الأفضلية للكلمة على حساب الصورة. ومن هنا دعا عميروش إلى إعادة الاعتبار للتفكير البصري باعتباره أحد أهم أدوات إنتاج المعرفة في الحضارة المعاصرة.

ورأى أن التحولات التكنولوجية المتسارعة لم تعد تسمح بحصر الفن في اللوحة والمنحوتة، بعدما ظهرت وسائط جديدة مثل الفنون الرقمية، وفنون الأداء، والتركيبات الفنية، والمنصات التفاعلية، وهو ما جعل الفن ينتقل من إنتاج الشكل إلى إنتاج الفكرة، ومن الاهتمام بالمادة إلى الاهتمام بالمفهوم.

وأكد أن الفن المفاهيمي شكل منعطفا حاسما في تاريخ الفن الحديث، إذ نقل مركز الثقل من الإنجاز التقني إلى البناء الفكري، وجعل من الفكرة جوهر العملية الإبداعية. كما أشار إلى أن الثورة الرقمية غيرت علاقة الفنان بالمتلقي، بعدما تجاوزت الأعمال الفنية حدود المتاحف وقاعات العرض لتنتشر عبر الفضاءات الرقمية، الأمر الذي فرض على الفنان العربي الانخراط في المشهد الإبداعي العالمي، مع الحفاظ على خصوصيته الثقافية.

ولم يغفل عميروش التأكيد على أهمية التفكير البصري باعتباره قدرة معرفية تتجاوز مجرد الرؤية إلى تحليل الصورة وتأويلها وفهم دلالاتها، في زمن أصبحت فيه الصورة اللغة الأكثر تأثيراً في تشكيل الوعي الجماعي. فبناء ثقافة بصرية نقدية، في نظره، أصبح ضرورة حضارية لمواجهة التدفق الهائل للصور الذي تفرضه وسائل الإعلام والتقنيات الرقمية.

واختتمت أشغال الملتقى بالتأكيد على أهمية مواصلة البحث في القضايا الفكرية التي يثيرها الفن المعاصر، وتشجيع الدراسات النقدية المتخصصة، وتعزيز المقاربات البينية التي تربط الفنون البصرية بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، إلى جانب الدعوة إلى بناء شبكات للتعاون الأكاديمي العربي وتكثيف اللقاءات العلمية، بما يجعل من الفن رافعة لإنتاج المعرفة، ومن الصورة أداة لإعادة التفكير في الإنسان والعالم.

وبذلك أكد الملتقى الأكاديمي الدولي الثاني للفن التشكيلي أن الفن لم يعد نشاطا جماليا معزولا عن محيطه، بل أصبح قوة معرفية وثقافية قادرة على ملامسة الأسئلة الكبرى التي يطرحها العصر، ومجالاً لإنتاج الأفكار، وبناء الوعي، واستشراف ملامح الحضارة البصرية الجديدة.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة