اخبار الشعب/ بقلم: الفنان الباحث البشيري بنرابح
في الحياة كما في المسرح، لا تكمن المشكلة دائما في الأدوار التي نؤديها، بل في قدرتنا على مغادرتها، فكم من إنسان عاد من عمله وهو لا يزال مديرا في بيته، أو خرج من خلاف عابر وظل يحمل دور الضحية لأيام، أو عاش سنوات داخل شخصية رسمها له الآخرون حتى نسي ملامحه الحقيقية.
في البسيكودراما أو المسرح العلاجي، الفصل بين الذات والدور يطلق عليه إسم *التمايز.* هو ليس مجرد مفهوم تقني، بل شرط أساسي يجعل التجربة المسرحية مساحة للفهم والتحرر، لا سببا لمزيد من الاضطراب.
المشارك يدخل إلى المشهد بكل صدق، فيجسد أبا غاضبا، طفلا خائفا، أو إنسانا مثقلا بالخذلان، لكنه يعرف في الوقت نفسه أن الشخصية التي يمثلها ليست هويته، وأن المشاعر التي يعيشها داخل الفضاء المسرحي ليست حكما نهائيا على ذاته، هنا يتحول المسرح إلى مختبر إنساني آمن، يسمح بالتعبير دون الوقوع في أسر التجربة.
أهمية التمايز تبرز عندما يغيب، فحين يذوب الإنسان في الدور، قد يخرج من الجلسة وهو لا يزال يحمل غضب الشخصية أو خوفها أو ألمها، فيصبح التمثيل عبئا نفسيا بدل أن يكون وسيلة للتحرر، لذلك يحرص الميسّر أو المعالج على إعادة المشاركين إلى الواقع بعد انتهاء المشهد حتى يستعيد كل واحد اسمه، وحدوده، وإحساسه بذاته.
غير أن قيمة هذا المفهوم لا تقتصر على المسرح العلاجي، بل تمتد إلى تفاصيل حياتنا اليومية، فربما نحتاج جميعا إلى قليل من *التمايز* في علاقاتنا، وفي أعمالنا، وحتى في حضورنا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يختلط أحيانا الإنسان بالصورة التي يصنعها عن نفسه، فيصدق الدور أكثر مما يصدق الحقيقة.
أجمل ما يقدمه المسرح العلاجي هو هذا الدرس البسيط والعميق في آن واحد: “عش التجربة بكل صدق، لكن لا تسمح لها أن تبتلعك”، فالنضج ليس أن نتقن أداء الأدوار فحسب، بل أن نعرف متى نخلعها، ونعود إلى أنفسنا أكثر وعيا وأكثر حرية.
جريدة أخبار الشعب
الدار البيضاء:30 يوليوز 2026












