اخبار الشعب/ بقلم: مصطفى حناوي محلل سياسي وصحفي_
منذ دستور 2011 والقانون التنظيمي للجهات 2015، دخل المغرب مرحلة جديدة سميت “الجهوية المتقدمة”. 12 جهة، 12 مشروعاً، 12 إيقاعاً للتنمية. كان الرهان واضحاً: فك مركزة القرار، تقريب الإدارة من المواطن، وبناء نخب محلية قادرة على حمل هموم أقاليمها.
بعد ما يقارب عقداً، السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل نجحت الجهوية؟ بل: أي مغرب أنتجته هذه الجهات الـ12؟
1. اقتصاد بسرعتين: من طنجة المتوسط إلى هضاب الأطلس
إذا أردت أن تفهم الخريطة الاقتصادية للمغرب اليوم، انظر إلى الخريطة الاستثمارية.
جهة الدار البيضاء-سطات ما زالت القاطرة. ثلث الناتج الوطني تقريباً يخرج من هنا. قطب مالي، صناعات تحويلية، ميناء. لكنها أيضاً جهة التناقضات: أبراج في عين دياب وهشاشة في سيدي عثمان.
جهة طنجة-تطوان-الحسيمة هي قصة النجاح التي كسرت قاعدة “الشمال مهمش”. ميناء طنجة المتوسط، صناعة السيارات، والربط مع أوروبا جعلها بوابة جديدة. لكن السؤال الأخلاقي للجهة: متى ستصل ثمار طنجة إلى جبال الحسيمة وشفشاون؟
جهة الرباط-سلا-القنيطرة هي جهة الدولة. الإدارة، الجامعات، المعاهد. لكن سلا والقنيطرة لا تزالان تعيشان في ظل الرباط، تصدران اليد العاملة وتستوردان القرار.
أما سوس-ماسة ومراكش-آسفي وفاس-مكناس وبني ملال-خنيفرة فهي جهات الرهان الفلاحي والسياحي. كلها مرتبطة بمصير واحد: الماء. حين يغيب الماء، تغيب التنمية.
وفي الجنوب، العيون-الساقية الحمراء والداخلة-وادي الذهب تشهدان أكبر ورش استثماري عمومي في تاريخ المغرب. الموانئ، الطرق، الطاقات المتجددة. النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية حاول أن يصنع قطباً جديداً. النتيجة ملموسة في البنية، ولكن التحدي هو خلق نسيج اقتصادي خاص بالساكنة.
الخلاصة الاقتصادية: لدينا جهات “جاذبة للاستثمار” وجهات “طاردة للسكان”. القطار السريع والطريق السيار ربطوا الجغرافيا، لكن لم يربطوا الفرص.
2. المجتمع: شباب بلا جسر، وماء بلا بديل
أكبر ثروة للمغرب هي شبابه. وأكبر معضلة هي أن هذا الشباب لا يجد جسراً بين التكوين وسوق الشغل.
في الدار البيضاء وطنجة والرباط نجد بطالة حاملي الشهادات. وفي درعة-تافيلالت وبني ملال والريف نجد بطالة منقطعين عن الدراسة وهجرة قروية. النتيجة واحدة: أحياء هامشية جديدة في أطراف المدن الكبرى.
القضية الثانية العابرة لكل الجهات هي الماء. من إجهاد الفرشة المائية بسوس، إلى توتر السدود في الحوز، إلى ندرة التساقطات في الشرق. لم يعد الحديث عن الماء ترفاً بيئياً، بل أصبح سؤالاً وجودياً يحدد مستقبل الفلاحة والصناعة والاستقرار الاجتماعي.
برامج الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية حاولت أن تلمس المواطن مباشرة. وهذا تحول مهم. لكن الفجوة ما زالت بين “التعميم” و”الجودة”. مستشفى جامعي في فاس ليس كمركز صحي في إقليم زاكورة.
3. السياسة: الخطاب الملكي يصطدم بجدران الأحزاب
هنا بيت القصيد. كل الخطب الملكية منذ 2011 وحتى خطاب 2018 كانت واضحة: “أعيدوا الثقة للسياسة. افتحوا أبوابكم للشباب والكفاءات”.
ولكن ماذا وقع في 12 جهة؟
وقع أن منطق التزكية لم يتغير. في *سلا وبطّانة وتابريكت* كما في *مراكش وفاس وطنجة*، ما زال معيار “القدرة الاستقطابية” و”الشرعية الانتخابية السابقة” هو الحاكم. الأسماء المعروفة مالياً واجتماعياً هي التي تحسم اللوائح، خوفاً من “المغامرة” بشاب جديد.
الجهوية أعطت لرؤساء الجهات صلاحيات أوسع. لكنها لم تعطهم استقلالية مالية حقيقية. فبقيت الجهة تنتظر دعم المركز، وبقيت الأحزاب مركزية في قراراتها.
النتيجة: فراغ ملأه المجتمع المدني. مجالس الشباب، هيئات المساواة، التعاونيات، الجمعيات في كل جهة. من أكادير إلى وجدة، من العيون إلى تطوان. الشباب لم ينسحب من السياسة، بل أعاد تعريفها خارج أسوار المقرات الحزبية.
4. المغرب السوسيومجالي: ثلاث مغاربات في وطن واحد
1. مغرب المدن الكبرى المتصلة عالميا: الدار البيضاء، الرباط، طنجة، مراكش. فيه الاستثمار، الجامعات، الثقافة. وفيه أيضاً أزمة السكن والنقل والفوارق.
2. مغرب المدن المتوسطة: مكناس، وجدة، آسفي، أكادير. لديها مؤهلات ولكنها تنزف الكفاءات نحو الكبار.
3. مغرب الأطراف: الجبل، الواحة، البادية. رأسماله هو الصمود والتراث والماء إن وجد. وهنا يتقرر مستقبل الاستقرار الاجتماعي.
كلمة أخيرة: الجهوية تحتاج إلى ثورة إدارية
الجهوية ليست طرقاً ومشاريع فقط. الجهوية هي عقل.
والعقل الجهوي يتطلب 3 أشياء لا مفر منها:
أولاً:كوطا ملزمة للشباب في المراتب الأولى للوائح، مع تمويل عمومي موجه لحملاتهم. من غير هذا سنبقى نكرر نفس الوجوه.
ثانياً: عقد جهوي للماء يربط الفلاحة بالصناعة بالتدبير المحلي.
ثالثاً: *لامركزية مالية حقيقية*. الجهة التي تنتج الثروة يجب أن تتحكم في جزء منها.
المغرب ليس جهة واحدة. المغرب 12 قصة مختلفة. نجاحنا الجماعي لن يكون إلا حين نكف عن معالجة مشاكل درعة-تافيلالت بأدوات الدار البيضاء، وحين نعطي لشاب من تازة نفس فرص شاب من المعاريف.
الجهوية المتقدمة وعد. والوعد يحتاج إلى رجال ونساء يؤمنون به، لا إلى مدبرين يخافون من التجديد.











