أخبار الشعب /
الفنان الباحث البشيري بنرابح
قصيدة «وجع النار» لا تكتفي بوصف مأساة الحريق، بل تكشف عن أثر الصدمة في نفس الشاعر، حيث تنتقل من الألم الفردي إلى التعاطف الإنساني، لتنتهي بالدعاء بوصفه استعادة للأمل والرجاء.
منذ العنوان لا تحضر النار بوصفها حدثا ماديا فقط، بل رمزا للألم والفقد والصدمة، وهذا جلي في المطلع:
«أَظُلْمَةُ لَيْلٍ أَشْرَقَتْ فَتَجَهَّمَ
أَمِ الصُّبْحُ نَارٌ بِالْأَحِبَّةِ أَعْدَمَا؟»
هنا الاستفهام لا يبحث عن جواب بقدر ما يكشف عن ذهول الذات أمام هول ما حدث، إذ تختلط لدى الشاعر صورة الليل بالصباح، والنور بالنار، وكأن الصدمة عطلت قدرة النفس على استيعاب الواقع وترتيبه،
و هذه الحالة تتأكد في قوله:
«وَنَحْنُ عَلَى أَرْضِ الْمَوَاقِعِ فَجْأَةً
رَأَيْنَا جَحِيمًا حَيْثُمَا هِيَ فِي السَّمَا»
فكلمة «فجأة» تحمل دلالة نفسية عميقة، فالحدث الصادم يأتي مباغتا ليحطم الإحساس بالأمان، هنا النار تتحول في المخيلة إلى «جحيم»، أي إلى تجربة تتجاوز الحريق نفسه نحو إحساس شامل بالخطر والفقد، غير أن أعمق التعبيرات النفسية في القصيدة نجدها في قوله:
«أَحِسُّ كَأَنِّي خَارِجَ النَّصِّ دُونَهُمْ
وَأَنِّي عَلَى مَا عِشْتُهُ بِتُّ مُرْغَمَا»
إن عبارة «خارج النص» تكشف عن إحساس بالاغتراب والعجز أمام مأساة لا يستطيع الشاعر التحكم فيها، فهو حاضر في المشهد لكنه يشعر في الوقت نفسه بأنه منفصل عنه، وكأن الصدمة جعلته مراقبا لحدث يفوق قدرته على الفعل.
بعد ذلك ينتقل الشاعر من ذاته إلى الضحايا، فيستحضر الطفل والابنة والمرأة الثكلى،
هذا الانتقال مهم سيكولوجيا لأنه يحول المأساة من خبر عن الموت إلى تجربة إنسانية، قائمة على الفقد واليتم وانكسار الروابط الأسرية، فالطفل الذي يفقد والده لا يعيش لحظة الموت فقط، وإنما يحمل آثارها إلى ما بعد الحادث، تبلغ القصيدة ذروتها الأخلاقية في قول الشاعر:
«جَزَائِرُ، هُمْ إِخْوَانُنَا رَغْمَ مَا جَرَى
فَلَا خَيْرَ فِيمَنْ قَدْ رَأَى فَتَبَسَّمَا»
الشاعر هنا يرفض أن تتحول المأساة إلى شماتة، يفصل بين الخلافات وبين قيمة الإنسان وحياته، إنها لحظة انتصار للبعد الإنساني على الانفعال والخصومة، لحظة يتحول فيها الألم إلى تعاطف واع.
“الدعاء بوصفه استعادة للرجاء”
تكتسب الخاتمة الدعائية أهمية خاصة، فبعد صور النار والموت واليتم والفقد، ينتقل الشاعر إلى الدعاء:
«اللَّهُمَّ احْفَظْ إِخْوَانَنَا فِي الْجَزَائِرِ…»
هذا الانتقال يمثل تحولا من الإحساس بالعجز إلى الرجاء……عندما يعجز الإنسان عن تغيير الكارثة بيده، يصبح الدعاء وسيلة للتعبير عن التضامن، واستعادة معنى الأمل، وطلب السكينة والجبر والأمان.
كما أن صيغة الدعاء الجماعية، بما تحمله من مفردات مثل إخواننا، جرحاهم، أطفالهم، نساؤهم، شيوخهم، تكشف عن اتساع دائرة التعاطف لدى الشاعر، فلم يعد يتحدث عن ألمه وحده، بل يحمل وجع الآخرين أيضا،
هكذا تتحرك القصيدة في مسار نفسي واضح:
الذهول، الصدمة، العجز، استحضار الفقد، التعاطف، رفض الشماتة، الدعاء، الرجاء.
«وجع النار» ليست قصيدة عن الحريق وحده، بل عن الإنسان حين يواجه الموت والفقد، وعن قدرته على تحويل الألم إلى رحمة، والصدمة إلى تضامن، والعجز إلى دعاء، ولعل أجمل ما تنتهي إليه القصيدة أن الشاعر، بعدما عجزت اللغة عن إطفاء النار، حاول أن يطفئ شيئا من نار الألم بالدعاء، مؤكدا أن الإنسان يظل أخا للإنسان، مهما كانت الخلافات.











