الضوء والروح: حكايتي مع رائدات الاخراج بالمغرب

El Morjani El Mehdi29 أكتوبر 202521 مشاهدةآخر تحديث :
الضوء والروح: حكايتي مع رائدات الاخراج بالمغرب

اخبار الشعب/ بقلم: البشير بنرابح

 

 

عرفت الدراما المغربية عبر مساري الفني محطات عديدة وتجارب مختلفة مع عدد من المخرجين الذين أثروا في تكويني وأغنوا تجربتي في الأداء. غير أن اللقاء مع رائدات الإخراج المغربي كان تجربة مختلفة في المذاق والمعنى.

كان لقاءً يجمع بين الحزم والرهافة، بين العقل والحدس، بين الصورة كحرفة والصورة ككائن حي ينبض بالروح. لقد كانت كل مخرجة من هؤلاء النساء مدرسة قائمة بذاتها، لا تشبه غيرها، تحمل رؤيتها الخاصة للعالم وللإنسان، وتمنحك كممثل تجربة لا تُنسى.

*فريدة بورقية: الرؤية التي تجمع بين الصرامة والشفافية*.

حين أذكر المخرجة فريدة بورقية، أستحضر فورًا لحظة الوقوف أمام كاميرتها في مسلسل جنان الكرمة.

رغم أنني كنت قد خضت أعمالًا درامية عديدة من قبل، فإن العمل معها كان اكتشافًا جديدًا لمفهوم الإخراج.

بورقية لا تكتفي بإدارة الكادر أو ضبط المشهد، بل تغوص في العمق النفسي للشخصيات، تقرأها كما يقرأ العارف خطوط الوجه ولغة الجسد.

حقا مخرجة تعرف متى تصمت ومتى تتكلم، ومتى تترك الممثل يعيش تجربته دون تدخل.

في هدوئها تكمن سلطة هائلة، وفي نظراتها عمق من الصدق يجعل الممثل يشعر أنه في اختبار دائم أمام مرآة فنية صارمة وعادلة في آن واحد.

كانت ترى الصورة كقصيدة، لا تُنجزها اعتباطًا بل تُنحتها لقطة بلقطة كما ينحت النحات تمثالًا من الصبر والإيمان.

تعلمت منها أن الفن لا يُنجز بالصوت المرتفع، بل بالوعي الهادئ، وأن الصرامة حين تمتزج بالحنان تُثمر إبداعًا راقيًا، يترك فيك أثرًا طويل المدى.

*فاطمة بوبكدي: ذاكرة الأرض وحرارة الإبداع*.

مع فاطمة بوبكدي في فيلم أمود، وجدت نفسي أمام طاقة فنية متقدة، امرأة تشتغل بروح الباحثة والراوية معًا.

بوبكدي تمتلك بصمة بصرية نابعة من عمق التراث المغربي الأصيل، لكنها تُقدّمه بجرأة حداثية غير مألوفة.

مخرجة تعرف كيف تحوّل الرمز الشعبي إلى مشهد حيّ، وتمنح التفاصيل اليومية دلالات تتجاوز ظاهرها.

في عملها، يصبح المكان شخصية ناطقة، والألوان ذاكرة.

تتعامل مع الممثل كما يتعامل الفنان التشكيلي مع اللون: تعرف متى تدمجه، ومتى تتركه يصرخ بفرادته.

تطلب الانضباط، لكنها بالمقابل تمنحك مساحة الحرية الإبداعية التي تجعلك شريكًا في بناء المعنى.

بوبكدي تشتغل بالعقل والحس في آنٍ واحد، وتؤمن أن الصورة هي وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية، وأن الإخراج ليس مجرد مهنة بل مسؤولية ثقافية وتاريخية.

معها استنشقت معنى الهَوية والثرات و أن المخرج الحقيقي هو من يُحاور الماضي ليصنع المستقبل، ويجعل من كل لقطة وثيقة وجدان لا تُنسى.

*فاطمة الجبيع: أخت الضوء، بين الحزم والوداعة*.

الأستاذة فاطمة الجبيع، منحتني تجربة من أعمق ما عشته في مساري، خلال مسلسل الخواتات خاصة أن بدايتنا الاحترافية كانت جنبا إلى جنب رفقة ظلها الفنان رضوان كنانة بمسرح الصورة.

في حضورها تلتقي الصرامة بالنعومة، والحزم بالعاطفة، والإصرار بالهدوء.

كانت أختًا كبرى، تارة قوية وتارة وديعة، تمسك بخيوط اليوم التصويري بدقة وإصرار، وتُكمل ما خططت له مهما كانت الصعوبات.

تُخرج بإحساس المسؤولية والالتزام، لكنها في الوقت نفسه تحيط الممثلين بعناية خاصة، تجعلهم يعملون بحب لا بخوف.

كانت تنصت أكثر مما تتكلم، وتُعبّر بعينيها أكثر مما تُصدر من أوامر.

في موقعها، يسود الاحترام والهدوء، لأن طريقتها في القيادة نابعة من الثقة لا من السيطرة.

تمنحك الأمان لتغامر، وتفتح أمامك مساحة لتكتشف ذاتك في الشخصية.

ما يميز فاطمة الجبيع أنها ترى الإخراج كعلاقة إنسانية قبل أن يكون علاقة مهنية.

هي تؤمن أن الصورة لا تُبنى فقط بالعدسة، بل بالقلوب التي تعمل خلفها.

*جميلة البرجي: صلاة الفن ودفء الكواليس*.

المبدعة جميلة البرجي، تجربة من نوع آخر تمامًا، تجربة روحية وجمالية وإنسانية في آنٍ واحد.

كل من اشتغل معها يدرك أن كواليسها تشبه محرابًا صغيرًا تُقام فيه صلاة الفن.

تبدأ يومها بابتسامة تُنير الوجوه، وتتعامل مع الجميع بروح الأم التي تجمع أبناءها حول مائدة واحدة من الاحترام والمودة.

البرجي تخرج بالصمت أكثر مما تخرج بالكلمات.

في لحظات العمل تشعر أن كل حركة منها موزونة، كل إيماءة مقصودة، وكل توجيه يصدر عنها بلطف ووعي.

هي تؤمن أن الممثل لا يُقاد، بل يُرافق.

تمنحه الثقة والحرية، وتحتوي توتره بابتسامتها الهادئة التي تُعيد الطمأنينة للمكان كله.

رؤيتها الفنية فيها توازن بين الجمال والمعنى، وتمنح لكل مشهد بعدًا روحيًا يجعل الصورة تتنفس إنسانيتها.

مخرجة تصنع من الفريق عائلة، ومن العمل الدرامي رسالة.

وراءها دائمًا ظلّ المبدع أحمد بوعروة، ذلك النبيل الذي كان يحضر بروحه وحكمته، يشكل معها ثنائيًا فنيًا استثنائيًا، حيث تتكامل الرؤية والنية الصافية.

الفن مع الاستاذة جميلة البرجي ليس استيتيقيا ولا استعراضًا، بل هو رسالة إيمانية وجمالية تُصاغ بالصبر والإخلاص.

الأستاذة البرجي الأيقونة التي تزرع الحب في كل لقطة، وتجعل الممثل يعيش العمل كرحلة داخلية نحو ذاته.

زكية الطاهرة: صمت المعنى واحساس الصورة.

*الفنانة زكية الطاهرة، تجربتي معها في صلاو سلام كانت لحظة نادرة من السكون والتأمل*.

مخرجة تمشي على أطراف الضوء، لا ترفع صوتها، ولا تُكثر من التوجيهات، لكنها تُمسك بخيط الصورة بوعي عميق وهدوء مطمئن.

زكية الطاهرة تجعل من المشهد طقسًا من التأمل، وتتعامل مع الممثل ككائن روحي لا مجرد مؤدٍّ.

مخرجة تؤمن أن الصورة قادرة على الصلاة بطريقتها الخاصة، وأن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج كي يُسمع، بل إلى صدق كي يُحسّ.

الإخراج تحيه معها طريقًا نحو الصفاء، وأن الكاميرا حين تكون في يد فنانة مؤمنة بالمعنى، تُصبح مرآة للروح.

*نساء من نور وصورة وصدق*

هذه التجارب مع الرائدات المبدعات فريدة بورقية، فاطمة بوبكدي، فاطمة الجبيع، جميلة البرجي، وزكية الطاهرة لم تكن مجرد محطات في مساري الفني، بل كانت رحلات إنسانية وجمالية غيّرت نظرتي للفن وللعلاقة بين الممثل والمخرجة.

كل واحدة منهن منحتني درسًا خالدًا:

فريدة بورقية علّمتني أن الإخراج رؤية ومسؤولية.

فاطمة بوبكدي ذكّرتني بأن الجذور هي سرّ الأصالة.

فاطمة الجبيع لقّنتني أن القيادة الحقيقية هي في الإنصات.

جميلة البرجي جعلتني أؤمن بأن الفن صلاة في محراب الجمال.

وزكية الطاهرة بيّنت لي أن الصورة يمكن أن تكون تأملًا صامتًا في معنى الوجود.

تحية لهن جميعًا، رائدات أضأن الدراما المغربية بحضورهن، وبصمتهن، وإنسانيتهم الصافية.

لقد تركن في ذاكرتي المهنية أثرًا لا يُمحى، وفي قلبي عرفانًا لا ينتهي.

إنهن نساء كتبن بأصابع الضوء فصولًا من الجمال المغربي، وجعلن من الإخراج النسائي فعل صدقٍ وتجلٍّ، لا مجرّد مهنة، بل رسالة تليق بالروح وبالوطن.

“لهن ولضوءهن الذي يضيء الدراما المغربية، أرفع قلمي شاكرًا وممتنًا لكل درس، لكل ابتسامة، ولكل لحظة روحية صاغت الفن بتناغم روحي صادق.”

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة