الاختلاف تحت مجهر الجماعة: سيكولوجيا الرمز في زمن الصدمة.

El Morjani El Mehdi25 فبراير 202614 مشاهدةآخر تحديث :
الاختلاف تحت مجهر الجماعة: سيكولوجيا الرمز في زمن الصدمة.

اخبار الشعب/ بقلم الفنان البشيري بنرابح

 

 

 

أثار إعلان مايسة سلامة الناجي عدم صيامها رمضان منذ سبعة عشر عاما موجة من الجدل الحاد، بين من اعتبر الأمر شجاعة في التعبير عن القناعة، ومن رآه استفزازاً لمشاعر جماعية مرتبطة بأحد أركان الإسلام.

لكن بعيداً عن الاصطفاف الأخلاقي، يحق لنا أن نسأل: لماذا يتحول سلوك شخصي إلى حدث عمومي؟

ولماذا تُقال بعض المواقف بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت تحديداً؟

في علم النفس الاجتماعي، لا تُقرأ التصريحات الصادمة باعتبارها معلومات محايدة، بل باعتبارها أفعالا رمزية. إميل دوركايم في تحليله لوظيفة المقدس داخل الجماعة يرى أن المساس بالرموز الجماعية لا يُستقبل كخبر، بل كفعل يمس التماسك الرمزي للجماعة (The Elementary Forms of Religious Life).

رمضان في المغرب ليس مجرد ممارسة فردية، بل طقس جماعي يؤطر الزمن الاجتماعي بأكمله، وعندما يُعلن شخص عمومي خروجه عن هذا الطقس، فهو لا يخبر فقط عن سلوكه، بل يعيد تعريف موقعه داخل الجماعة.

في زمن اقتصاد الانتباه، حيث القيمة تُقاس بقدرة الخطاب على إثارة التفاعل، تصبح الصدمة أداة فعّالة لإعادة إنتاج الحضور، وهنا يظهر سؤال مشروع:

هل كان الهدف إخبار الناس بقناعة شخصية، أم إعادة تموضع داخل مشهد إعلامي قائم على الاستقطاب؟

عالم النفس إريك إريكسون يشير في نظريته حول تشكل الهوية (Identity: Youth and Crisis) إلى أن بعض الشخصيات العامة تعيش ما يمكن تسميته “هوية الأداء”، أي أن الذات تتشكل عبر ردود الفعل الجماهيرية لا عبر قناعات داخلية مستقرة فقط.

في هذه الحالة، يصبح الإعلان عن الاختلاف فعلاً تأكيدياً للذات أنا مختلفة، إذن أنا موجودة.

هذا لا يعني بالضرورة نفاقا أو تلوّنا، لكنه يفتح الباب أمام فرضية أن التصريح نفسه جزء من مسرحية رمزية أكبر، يكون الجمهور أحد أبطالها.

الغضب الذي أعقب التصريح لا يمكن اختزاله في “رفض للحرية”.

في علم النفس الأخلاقي، الدفاع عن الرموز الدينية يعدّ آلية لحماية الحدود القيمية للجماعة (Moral Boundary Defense).

المجتمع المغربي، الذي ينص دستوره على أن الإسلام دين الدولة (الفصل 3 من دستور 2011)، لا يرى في رمضان مجرد عادة، بل أحد محددات هويته الثقافية، لذلك فإن رد الفعل وإن بدا حادا، ينبع من إحساس بأن المجال العام ليس مساحة محايدة بالكامل، بل مجال مؤطر بمرجعية جماعية.

الفردانية الحديثة في مواجهة الجماعة

ما يحدث ليس صراعاً بين شخص وصيام، بل بين تصورين للمجال العام:

تصور يعتبره امتداداً للهوية الجماعية.

وتصور يراه فضاءً محايدا تُعرض فيه كل الاختيارات دون اعتبار لرمزيتها.

Charles Taylor في كتابه A Secular Age يوضح أن المجتمعات الحديثة تعيش انتقالاً من “إيمان بديهي جماعي” إلى “إيمان اختياري فردي”. وعند تقاطع النموذجين يولد التوتر.

تصريح من هذا النوع ليس سبب الأزمة، بل مرآة لها.

“بين الحرية والمسؤولية الرمزية”

لا أحد يملك وصاية على الضمائر، لكن الشخصيات العمومية ليست أفرادا عاديين في المجال العام، تأثيرهم يتجاوز ذواتهم، وتصريحاتهم تتحول إلى إشارات رمزية.

الحرية حق نعم، لكن في المجال العام كل حرية تحمل أثراً.

ختاما

القضية ليست في صيام شخص من عدمه،

بل في الطريقة التي يُدار بها الاختلاف داخل مجتمع ذي مرجعية دينية واضحة، ليست المسألة بطولة فردية، ولا تهديداً وجودياً للأمة، بل لحظة احتكاك بين الفردانية المعاصرة والهوية الجماعية.

والسؤال الذي سيظل مطروحاً:

هل نمتلك في المغرب أدوات نضج كافية لإدارة هذا الاحتكاك دون أن يتحول إلى استقطاب دائم؟

المراجع :

Émile Durkheim – The Elementary Forms of Religious Life

Erik Erikson – Identity: Youth and Crisis

Charles Taylor – A Secular Age

دستور المملكة المغربية 2011، الفصل 3

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة