لباس الأستاذ داخل المدرسة المغربية.. أين تنتهي الحرية الشخصية وتبدأ المسؤولية المهنية؟

elmorjani mehdi1 سبتمبر 202638 مشاهدةآخر تحديث :
لباس الأستاذ داخل المدرسة المغربية.. أين تنتهي الحرية الشخصية وتبدأ المسؤولية المهنية؟

اخبار الشعب/ إعداد :خطوط النواصر

 

عاد موضوع لباس بعض الأطر التربوية داخل المؤسسات التعليمية المغربية إلى الواجهة، ليس باعتباره معركة حول الأذواق أو المظاهر، وإنما باعتباره سؤالاً مهنياً ومؤسساتياً يتعلق بالحدود الفاصلة بين الحرية الشخصية للموظف وبين طبيعة الفضاء التربوي الذي يستقبل الأطفال واليافعين يومياً. وبين من يعتبر أن اختيار اللباس يدخل في نطاق الحرية الفردية، ومن يرى أن ممارسة مهنة التعليم تفرض مظهراً ينسجم مع خصوصية المؤسسة ورسالتها التربوية، يظل السؤال القانوني أكثر دقة: هل توجد قواعد وطنية واضحة تحدد بشكل صريح ما يجوز أو لا يجوز للأستاذ ارتداؤه داخل المؤسسة؟ الرجوع إلى النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية يكشف أن النص ينظم مجموعة من الواجبات والحقوق المهنية، ويؤكد ضرورة الالتزام بالضوابط المهنية وبالتشريع والتنظيم الجاري به العمل، لكنه لا يقدم، في المقتضيات التي تم الاطلاع عليها، لائحة تفصيلية تحدد طول الملابس أو ألوانها أو أشكالها بالنسبة لهيئة التدريس. وهذا التفصيل مهم جداً، لأن وصف لباس شخص بأنه «غير محتشم» يبقى حكماً نسبياً إذا لم يستند إلى قاعدة قانونية أو تنظيم داخلي واضح. غير أن غياب لائحة تفصيلية للباس لا يعني غياب المسؤولية المهنية. فالأستاذ داخل المؤسسة التعليمية لا يوجد في فضاء خاص، وإنما يؤدي وظيفة عمومية تربوية أمام تلاميذ، ويتحمل مسؤوليات مرتبطة بالتأطير والتعليم والحفاظ على بيئة مدرسية ملائمة. ولذلك فإن النقاش الحقيقي ينبغي أن يتجه نحو مفهوم المظهر المهني ومدى ارتباطه بطبيعة المؤسسة، وليس نحو مراقبة الأجساد أو فرض ذوق شخصي على العاملين في التعليم. وتزداد حساسية الموضوع عندما يتعلق الأمر بمؤسسات تضم أطفالاً في سن مبكرة، لأن المدرسة ليست مجرد مكان لتقديم الدروس، وإنما فضاء للتربية والتأطير واكتساب السلوكيات. وفي المقابل، يجب ألا يتحول هذا الاعتبار إلى مبرر للتشهير بالأستاذات أو الأساتذة أو تصويرهم ونشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف الانتقاص منهم، لأن أي معالجة مهنية يجب أن تحترم الكرامة والحياة الخاصة وقرينة حسن النية. ومن زاوية قانونية، فإن أي إجراء إداري ضد موظف بسبب لباسه ينبغي أن يستند إلى أساس قانوني أو تنظيمي واضح، وأن يحترم المساطر والضمانات المقررة للموظف. فلا يمكن تحويل اختلاف في الذوق أو تقييم شخصي إلى عقوبة إدارية من دون سند، كما لا يمكن اعتبار كل لباس لا يروق لبعض الآباء أو التلاميذ مخالفة مهنية تلقائياً. وفي المقابل، إذا كانت هناك مؤسسات تعليمية تتوفر على أنظمة داخلية تتضمن قواعد محددة للمظهر أو السلوك داخل المؤسسة، فإن الأمر يصبح مختلفاً، لأن تقييم الالتزام يجب أن يتم في ضوء القواعد المعتمدة والمعلنة، وليس بناءً على انطباعات فردية أو حملات إلكترونية. وهنا تبرز مسؤولية الإدارة في توضيح القواعد لجميع العاملين والمتعلمين والأسر، حتى لا يتحول الموضوع إلى اجتهادات متناقضة من مؤسسة إلى أخرى. وتطرح هذه القضية أيضاً مسؤولية الأسر. فمن حق الآباء والأمهات طرح ملاحظاتهم عندما يرون أن سلوكاً أو مظهراً داخل المؤسسة يؤثر فعلاً على البيئة التربوية، لكن الطريق السليم يمر عبر الإدارة والقنوات الرسمية، وليس عبر التشهير الإلكتروني أو نشر صور الأساتذة دون موافقتهم. فالاحتجاج على سلوك مهني مفترض شيء، وانتهاك خصوصية شخص شيء آخر. أما بالنسبة إلى الأساتذة، فإن الحرية الشخصية لا تعني بالضرورة تجاهل طبيعة المكان الذي يمارسون فيه عملهم. فالاحترافية تقتضي مراعاة خصوصية المؤسسة التعليمية، كما أن المظهر المهني يمكن أن يكون جزءاً من صورة الأستاذ أمام المتعلمين، من دون أن يعني ذلك فرض نموذج موحد على الجميع أو تحويل المؤسسة إلى فضاء لمراقبة التفاصيل الشخصية. المشكلة الحقيقية، كما يكشفها هذا النقاش، هي غياب معيار واضح ومتفق عليه يمكن الرجوع إليه عند حدوث خلاف. فإذا كان المطلوب اعتماد قواعد للمظهر المهني داخل المؤسسات التعليمية، فإن الأفضل أن تكون هذه القواعد مكتوبة وواضحة ومعلنة، وأن تحددها الجهات المختصة ضمن إطار قانوني وتنظيمي، بدلاً من ترك الأمر للتقديرات الفردية أو لضغط مواقع التواصل الاجتماعي. ومن هنا يطرح خطوط النواصر سؤالاً مباشراً على الجهات المعنية: هل توجد حالياً مذكرة وطنية أو مقتضيات تنظيمية خاصة تحدد لباس الأطر التربوية داخل المؤسسات التعليمية؟ وإذا كانت موجودة، فما مضمونها وما حدود تطبيقها؟ وإذا لم تكن موجودة، فهل أصبح من الضروري فتح نقاش مؤسساتي حول مفهوم المظهر المهني للأستاذ داخل المدرسة المغربية؟ المعالجة المسؤولة لهذا الملف لا ينبغي أن تتحول إلى حملة ضد الأستاذات أو الأساتذة، ولا إلى تبرير لأي سلوك قد تعتبره المؤسسة غير مهني، وإنما إلى نقاش هادئ حول القانون، المسؤولية المهنية، حرية الفرد، خصوصية المدرسة، وحق التلميذ في بيئة تربوية سليمة. وبين هذه العناصر الخمسة يمكن بناء قاعدة واضحة تمنع التعسف من جهة، وتمنع الفوضى في المعايير من جهة أخرى. وفي النهاية، فإن المدرسة المغربية تحتاج قبل كل شيء إلى قواعد واضحة تطبق على الجميع، لا إلى أحكام مبنية على الصور والانطباعات. فإذا كان هناك إخلال مهني حقيقي، فالمساطر الإدارية والقانونية موجودة لمعالجته، وإذا كان الأمر مجرد اختلاف في الذوق، فإن تحويله إلى فضيحة إلكترونية قد يكون أكثر ضرراً من اللباس الذي أثار الجدل نفسه. خطوط النواصر يفتح هذا الملف من زاوية مهنية وحقوقية، لأن الهدف ليس محاكمة أشخاص بسبب مظهرهم، وإنما البحث عن معيار واضح يحمي حرية الموظف ويحافظ في الوقت نفسه على هيبة المؤسسة التعليمية ورسالتها التربوية

.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة