أخبار الشعب / الفنان الباحث البشيري بنرابح
لو كانت هناك جائزة لأكثر شيء تتحمل تبعات الإصلاحات، فلن يكون الفائز سوى جيب المواطن المغربي، هذا الجيب المسكين أصبح يعرف طريقه إلى كل القرارات، كلما بحثت الحكومة عن حل اقتصادي، وجد المواطن نفسه مدعوا إلى تقديم مساهمته الإضافية في *ورشة الصبر الوطني*.
من باب السخرية الأدبية لا التشخيص النفسي، يمكن الحديث عن عقدة أوديب سياسية، عقدة لا تبحث عن صراع مع الأب كما في الأسطورة اليونانية، بل عن علاقة متوترة مع الجيب، حيث يبدو أن المواطن هو الطرف الذي يطلب منه دائما أن يدفع ثمن الاختيارات الكبرى.
فما إن حاول المغاربة استيعاب موجات الغلاء المتتالية، حتى جاءت الزيادة الجديدة في أسعار الكازوال بحدود درهمين، لتعيد طرح السؤال القديم من يؤدي فاتورة الإصلاح؟ فالكازوال ليس مجرد وقود للسيارات، بل هو وقود لكل شيء تقريبا، للنقل، لأسعار المواد، ولمصاريف الأسر التي تجد نفسها أمام سلسلة من الارتفاعات تبدأ من المحطة وتنتهي فوق مائدة الطعام.
والأكثر إثارة للقلق أن الاحتقان الاجتماعي لا يظهر فقط في الأسواق، بل في مشاهد أخرى أكثر قسوة، فالهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة وما رافقها من سقوط ضحايا، لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت رسالة اجتماعية تحمل في داخلها كثيرًدا من الأسئلة: ماذا يجعل شابا يغامر بحياته بحثا عن مكان آخر؟ وهل المشكلة في الحلم بالضفة الأخرى أم في الإحساس بأن الضفة الحالية لم تعد تمنحه ما يكفي من الأمل؟
المنهاج الأخنوشي تحول في نظر كثير من المواطنين، إلى اختبار مفتوح لقدرة المغاربة على التحمل، فكلما قيل إن الوضع يتجه نحو الانفراج، جاءت مؤشرات جديدة تذكّر الناس بأن الطريق ما زال طويلا، وأن الصبر أصبح وكأنه مادة أساسية في ميزانية الأسرة المغربية، والمفارقة أن لغة الأرقام الرسمية تتحدث عن النمو والاستثمار والإصلاح، بينما تتحدث لغة الحياة اليومية عن أسعار ترتفع، وأسر تعيد حساباتها، وطبقة متوسطة تخوض معركة صامتة للحفاظ على توازنها.
المشكلة لا تمكن في غياب الإمكانيات، بل في ترتيب الأولويات، فالمواطن حين يشعر أن كلفة الإصلاح تقع دائما على كتفيه، يصبح من حقه أن يسأل: هل الاقتصاد في خدمة المجتمع، أم أن المجتمع أصبح مطالبا بخدمة الاقتصاد؟
إن الصبر فضيلة لكنه ليس سياسة عمومية، والمواطن ليس خزينة مفتوحة لتعويض كل الاختلالات، ولا رقما في معادلة اقتصادية باردة.
المراجعة الحقيقية لأي مشروع حكومي تبدأ من سؤال بسيط: هل يشعر المواطن أن الدولة تخفف عنه الأعباء، أم أنه أصبح يكتشف الإصلاحات من خلال فاتورة المحروقات والأسعار؟
ربما العقدة الحقيقية ليست هي* عقدة أوديب*، بل *عقدة الجيب*، ذلك الجيب الذي أصبح حاضرا في كل القرارات، يدفع أكثر مما يحتمل، بينما ينتظر فقط أن يشعر بأن المستقبل لا يغلق أبوابه أمامه.
جريدة أخبار الشعب 5 غشت 2026









