أخبار الشعب /
بقلم : مصطفى حناوي
يشكل تنفيذ الأحكام الأجنبية داخل التراب الوطني أحد أبرز الإشكالات التي تواجه الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وخاصة في ألمانيا. فمع تزايد حالات الزواج المختلط والطلاق والنزاعات حول النفقة والحضانة، برزت الحاجة إلى “جسر قانوني” يربط بين النظامين القضائيين المغربي والألماني. لكن غياب اتفاقية ثنائية شاملة يجعل هذا الجسر هشاً ومكلفاً.
– أولاً: الإطار القانوني لتذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية ـ
لا يكتسي الحكم الصادر عن المحاكم الألمانية قوة تنفيذية تلقائية في المغرب. ولإكسابه هذه القوة يلزم المرور بما يسمى “مسطرة التذييل”، التي يؤطرها الفصلان 430 و431 من قانون المسطرة المدنية المغربية.
وتشترط المحاكم المغربية عدة شروط أساسية:
1. – نهائية الحكم ـ: أن يكون الحكم الألماني باتاً وغير قابل للطعن، مع الإدلاء بشهادة تثبت ذلك من كتابة الضبط.
2. *اختصاص المحكمة الأجنبية*: وفق قواعد القانون الدولي الخاص.
3. ـ احترام حقوق الدفاع ـ: التبليغ القانوني وتمكين الأطراف من الدفاع.
4. ـ عدم مخالفة النظام العام ـ: وهو الشرط الأهم. فالمحكمة المغربية ترفض تذييل أي حكم يتعارض مع المبادئ الأساسية للتشريع المغربي أو مع مدونة الأسرة. مثال عملي: يمكن الاعتراف بالطلاق الصادر في ألمانيا، لكن قد يُعاد النظر في مبلغ النفقة إذا تجاوز سقف ما تقرره المدونة.
ترفع دعوى التذييل أمام المحكمة الابتدائية مرفقة بنسخة رسمية من الحكم، ما يثبت التبليغ، شهادة النهائية، وترجمة محلفة ومصادق عليها. وبصدور حكم التذييل يصبح الحكم الألماني قابلا للتنفيذ الجبري في المغرب.
وتجدر الإشارة إلى أنه إلى حدود اليوم لا توجد اتفاقية ثنائية بين المغرب وألمانيا في مجال الاعتراف المتبادل وتنفيذ الأحكام المدنية والتجارية، مما يجعل القواعد العامة هي الأصل المطبق.
– ثانياً: البعد الاجتماعي ـ عندما يصبح القانون عبئاً على الأسرة –
تتركز أغلب طلبات التذييل في قضايا الأسرة. والهدف النظري نبيل: ضمان استمرار نفقة الأطفال ومنع تهرب أحد الزوجين بنقل أمواله. لكن الواقع يكشف عن تعقيدات.
فالقانون الألماني يقوم على المساواة وتقسيم الممتلكات والحضانة المشتركة، بينما تستند مدونة الأسرة المغربية إلى مرجعيات مختلفة. هذا التباين يخلق ما يسمى بـ “التسوق القضائي”، حيث يلجأ أحد الأطراف لرفع الدعوى في البلد الذي يرى قانونه أكثر إنصافاً له. النتيجة: نزاعات تطول لسنوات ويكون الضحية الأولى فيها هم الأبناء.
– ثالثاً: البعد الاقتصادي ـ كلفة مضاعفة وثقة مهزوزة ـ
على المستوى الفردي، يمثل تذييل الحكم ضمانة لمن له أموال أو عقارات في البلد الآخر. وعلى المستوى الوطني، فإن وضوح المسطرة يعزز جاذبية المغرب للاستثمار الأجنبي.
لكن غياب الاتفاقية يرفع الكلفة بشكل كبير: محاميان في بلدين، ترجمة، مصادقة، ودعوى جديدة. عبء مالي وزمني يثقل كاهل المواطن العادي.
– تصريح متضرر: “دفعت مرتين وسُجنت بتهمة الإهمال” –
في هذا السياق، يروي السيد *عبدالعزيز آيت لحسن*، المزداد بتاريخ 5 يناير 1963 والحامل للبطاقة الوطنية رقم E155537، تجربته مع هذه الازدواجية:
“تزوجت بالسيدة بويزكان عزيزة سنة 2003 وأخذتها معي إلى ألمانيا. أنجبنا ابننا الأول سنة 2004. عدت للعمل بالمغرب مع شركة سيمنس ثم مع المكتب الوطني للكهرباء، لكنها رفضت الاستقرار. في 2014 أخذت الأولاد إلى ألمانيا بدون علمي، وفي 2018 هاجرت نهائياً. فوجئت سنة 2021 بحكم طلاق صادر عن محكمة ألمانية، وبسنة 2020 بدعوى نفقة في المغرب رغم إقامتها بألمانيا.
في 2023 تم اعتقالي بالمغرب بتهمة إهمال الأسرة وقضيت 14 يوماً ودفعت 33 مليون سنتيم. عندما ذهبت إلى ألمانيا وبحكم أنني أحمل الجنسية الألمانية، تدخلت الدولة واعتبرت الأمر ازدواجية في المطالبة بالنفقة، إذ أنها كانت تتقاضى النفقة في ألمانيا منذ 2018. نصحوني بفتح شكاية ضدها وضد الحكم الصادر بالمغرب”.
يضيف السيد عبدالعزيز: “أنا لا أرفض الإنفاق على أبنائي، لكنني أرفض أن يتم استغلال فراغ قانوني للضغط علي مرتين. نحن نحتاج لاتفاقية تحمينا وتحمي الأبناء من أن يصبحوا ورقة في صراع القوانين”.
وأخيرا كخلاصات :
– إن مسطرة تذييل الأحكام الأجنبية ضرورة قانونية، لكن تطبيقها يبقى رهيناً بتقدير القاضي لشرط “النظام العام” وبغياب اتفاقية ثنائية واضحة مع ألمانيا.
من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، فإن تبسيط هذه المسطرة وتقليص آجالها سيخدم مصالح آلاف الأسر المغربية بألمانيا، ويعزز الأمن القانوني، ويدعم العلاقات الاقتصادية بين البلدين. والرهان اليوم معقود على الإسراع بتوقيع اتفاقية تعاون قضائي ثنائية، وعلى تكوين قضاة ومحامين متمكنين من القانون الدولي الخاص، حتى لا تتحول العدالة إلى عبء إضافي على المتضررين.









