اخبار الشعب/ هند بومديان
مع كل موعد انتخابي، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: ماذا تعني الانتخابات بالنسبة للمواطن؟
هل هي مجرد يوم يضع فيه الناخب ورقة في صندوق، ثم يعود إلى حياته منتظرًا نتائج لا يعرف إن كانت ستغيّر شيئًا من واقعه؟ أم أنها لحظة أساسية يعيد فيها المجتمع ترتيب علاقته بالسلطة، ويختار من يملك حق تمثيله والتحدث باسمه؟
الانتخابات في جوهرها ليست منافسة على المقاعد، وليست سباقًا نحو المناصب. إنها قبل كل شيء اختبار للديمقراطية، ولوعي المواطن، ولقدرة المرشحين على تقديم مشروع يستحق الثقة.
المشكلة تبدأ حين يتحول الناخب من مواطن يبحث عن الأفضل إلى شخص يبحث عن مصلحة آنية، وحين يتحول المرشح من صاحب مشروع إلى صاحب وعود. عندها يصبح صوت المواطن قابلًا للتأثير بالمال أو العلاقات أو الخطاب العاطفي، وتصبح الانتخابات مناسبة لتبادل المصالح بدل أن تكون وسيلة لبناء المستقبل.
لكن المسؤولية لا تقع على المرشح وحده.
المواطن أيضًا شريك في صناعة النتيجة.
فمن يبيع صوته، أو يصوت بدافع القرابة أو الانتماء أو المصلحة الشخصية، لا يمكنه بعد ذلك أن يتساءل وحده: لماذا لم يتغير شيء؟
صحيح أن المواطن قد يشعر أحيانًا بأن صوته لن يغيّر الواقع، وأن الوجوه تتغير بينما المشاكل نفسها تستمر. لكن العزوف عن التصويت لا يعني الانسحاب من السياسة؛ بل قد يعني، في كثير من الأحيان، ترك المجال للآخرين كي يقرروا بدلًا عنه.
وفي المقابل، لا يمكن مطالبة المواطن بالمشاركة الواعية دون مطالبة الأحزاب والمرشحين أيضًا بالارتقاء إلى مستوى هذه المشاركة.
نحتاج إلى انتخابات لا تُبنى على الشعارات فقط، بل على البرامج؛ لا على الوعود الفضفاضة، بل على أهداف واضحة قابلة للقياس؛ لا على استغلال حاجات الناس، بل على احترام ذكائهم وكرامتهم.
فالناخب اليوم لم يعد يحتاج إلى من يقول له: “صوّت لي لأنني أعرفك”، بل إلى من يجيبه عن سؤال بسيط وصعب في الوقت نفسه:
ماذا ستفعل عندما تصل إلى موقع المسؤولية؟
كيف ستتعامل مع التعليم؟
ماذا عن التشغيل؟
كيف ستدعم الشباب؟
ماذا عن الصحة والنقل والسكن؟
كيف ستدافع عن مصالح المواطنين؟
وما الآليات التي ستجعل المسؤول خاضعًا للمساءلة بعد الانتخابات؟
الديمقراطية الحقيقية لا تنتهي بمجرد إعلان النتائج.
هناك تبدأ المسؤولية.
فالانتخابات تمنح التفويض، لكنها لا تمنح شيكًا على بياض. والمواطن الذي يمنح صوته يملك أيضًا حق السؤال والمراقبة والمحاسبة. والسياسي الذي يطلب ثقة الناس عليه أن يدرك أن هذه الثقة ليست ملكية دائمة، بل أمانة يمكن أن تُستعاد أو تُسحب في الاستحقاق التالي.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تتحول الانتخابات إلى طقس يتكرر، بينما يفقد الناس الإيمان بقدرتها على التغيير.
لهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط بين المرشحين.
إنها معركة من أجل وعي الناخب، ونزاهة المنافسة، وجودة البرامج، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالانتخابات القوية لا تُقاس فقط بنسبة المشاركة، ولا بعدد الأصوات التي حصل عليها الفائز، وإنما بمدى قدرة العملية الانتخابية على إنتاج مؤسسات تحظى بالثقة، ومسؤولين يشعرون أنهم يعملون لصالح المواطن، ومواطنين يدركون أن الديمقراطية ليست حقًا في التصويت فقط، بل مسؤولية مستمرة.
و يبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل انتخابات
:
هل نختار الأشخاص لأنهم قادرون على صناعة المستقبل، أم نختارهم فقط لأنهم يعرفون كيف يقنعوننا بالتصويت لهم؟
بين السؤالين… يتحدد معنى الانتخابات، ويتحدد معها مستقبل الديمقراطية













