كلمة وفاء للصديق…حمادو اليرع / حمد حمد سوار

habibtarik6 سبتمبر 202692 مشاهدةآخر تحديث :
كلمة وفاء للصديق…حمادو اليرع / حمد حمد سوار

أخبار الشعب /

 

بقلم الكاتب : يوسف زينل

يبقى الوفاء للأموات كما للأحياء..

كان وحيد أمه وأبيه، من عائلة كادحة.. يكدح والده من الصباح الباكر، وترعاه والدته منذ ولادته ورؤيته نور الله في الدنيا
.
أسمر البشرة بعينين جاحظتين وشعر أجعد، يلعب كرة القدم مع أقرانه رغم ادمانه التدخين في سن مبكرة من حياته، وكان يحب البحر سباحةً وصيداً، فلم تكن المسافة بين بيته والبحر إلا خطوات يصل اليه في دقائق، لذلك فقد اعتاد الذهاب الى البحر قبل ان تبدأ الردميات الحكومية لتوسعة الأراضي الصالحة للبناء والتعمير ولتغطية المساحات التي كانت تستخدم لرمي النفايات الأهلية بما فيها نفايات القوات الجوية الإنجليزية الـ آر إف وقبل ان تقوم الحكومة ببناء مدرسة الحورة الإعدادية للبنين..
لذلك فقد تعلم السباحة مع الآخرين منذ نعومة أظفاره وتعلم صيد السمك بالميدار وبالزراقية وأحياناً برمي نوع من السم يؤدي الى نفوق الأسماك التي تبتلعه فيقومون بتجميعها واخذها الى منازلهم.

كان هو وعلي حسين (علينه) يهربان من البيت الى البحر شبه عراة فتأتي والدتهما وتنهرهما وتأخذهما كلا الى منزله.
وفي هذه الأجواء تمكن حمادو من تعلم السباحة، بل أصبح من أمهر وأفضل السباحين الذين لا يهابون موج البحر وارتفاعه في حالة السقي ( المد ).

في تلك الحقبة كانت فرجان العوضية وبن سوار والحورة والذواودة ورأس الرمان تموج بالأفكار الثورية اليسارية والقومية وتشهد حراكاً وصراعاً بين الاتجاهات القومية والإشتراكية لدرجة التعارك بالأيدي والسكاكين احياناً.

كان حمد يعيش وسط هذه الأجواء ويتفاعل مع ألاحداثٍ الصاخبة والهادئة الا انه لم يكن قد نضج سياسياً، أو حتى نقابياً وبشكل كافِ، لكنه كان يتعاطى الأفكار السياسية القابلة للهضم لعصره في حدودها الدنيا.. فكان يجادل صديقه صلاح في مواقفه المتهادنة مع احداث عمالية ويعاير زميله فيصل لعدم اتخاذه موقفاً لصالح زملائه الشغيلة.

علاقاته مع أقرانه متشعبة وذات بُعد اجتماعي، يملك القدرة على نسج علاقات مع شباب الفرجان والمناطق قاطبة. كان أصدقائه خليطٌا فسيفسائيًا يضم عرقيات متعددة من الذين كانت تضمهم تلك البقعة الجغرافية التي كان يرتادها ويتعايش معها دون حساسية فقد تجاوز الأطر والقيود المذهبية والقومية منطلقاً نحو آفاق إنسانية رحبة في علاقاته الاجتماعية.
وفي ليلة من الليالي الحالكة السواد كان حمادو على موعد مع القدر الذي لا يرحم دون تأخير او تقديم فقد قرر شباب الفريج ومعهم حمد تنظيم رحلة الى شاطئ رأس البر هرباً من حر الصيف ولقضاء وقت ممتع على أنغام أمواج البحر في علوها وفي انحدارها، وقد وصلت شلة الشباب عصر اليوم بعد ان خف لظى الشمس ولسعتها النهارية وبدأت تنحدر نحو الأفول وكأن الأفق يبتلعها حتى بدأت تغرب رويداً رويداً، فاسحة المجال للعتمة لتلفظ بقايا الشعاع الشمسي في انحدارها نحو الأسفل، وما أن تلاشت بقايا الغبشة وسادت العتمة وبدأت بعض النجوم البعيدة في الظهور والتلألأ بأنوار خافتة، لا يصل بريقها الا لماماً على سطح البحر.

كان حمد يراقب المشهد بكل تجلياته وتفاصيله، حتى بدأ البحر يهمس في أذن حمد داعياً إياه لخوض غمار التحدي، ولم يكن بإمكان حمد أن يرفض هذا النزال فهو سبّاح ماهر لا يهاب البحر ولا معاركها، معتقداً بأن قدراته وأذرعه القوية وسرعة ضربات أرجله ورشاقة جسده ستمكنه من هزيمة البحر والرجوع الى الشاطئ منتصراً نصراً ساحقاً.

وبدأت المعركة الفاصلة بعيداً عن أعين رفاقه الذين لمحوه ينقض على الأمواج ضارباً إياها بأذرعه القوية وأرجله كمروحة القوارب السريعة، حتى بدأ يختفي في حلكة الليل في وسط بياض فسفوري صادراً عن زبد الأمواج المتلاطمة. ولم تمض الا دقائق معدودة حتى تيقن أصدقائه بأن خطبًاً ما قد ألمّ بحمادو، وان فزعة جماعية مطلوبة للبحث عنه في عتمة الليل وبين أمواج البحر وبين ثنايا الصخور.

لم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق، فالبحث عن حمادو في مثل هذا المشهد كالباحث عن الإبرة في القشة، لذلك تم استدعاء الجهات المعنية للبحث عن حمادو طوال الليل دون جدوى.

كانت العتمة ترفض الانقشاع والفجر لا يرغب أن ينبلج، وجهات البحث والأفراد تتشبث ببعض شعاع تطل من ثنايا الأفق، عل ذلك يفصح عن مسرح الغياب، ويمكنها معرفة ما حصل بالضبط، وهل هناك فرصة لإيجاد حمد حياً أم غريقاً.
ركن البحر الى الهدوء بعد ليلة صاخبة وبدأت الأمواج تلاعب بعضها في نعومة فائقة وتلاشت التيارات والدوامات المائية البحرية، وكأن شيئاً لم يكن.

لقد رحل حمادو …
رحل عن عالمنا وانضم الى رعيل من حوريات البحر لتصل جثته بعد أشهر إلى سواحل أبو ظبي، في مشهد مروع فقد فيه الكثير من ملامح وجهه وأجزاء من أطرافه.

والده ووالدته لم يتمكنا من تصديق الحدث واستيعابه، واعتقدا بداية بأنه سيرجع في يوم ما…..
لكن والده المتيقن من غرق ابنه مات حسرة على فلذة كبده حمد بعد أسبوعين من غرقه، لكن والدته (لولوة) لم تشأ أن تصدّق الرواية، وفضّلت الانتظار والبحث في وجوه أصدقاء حمد عن خبر سار، وين حمادو …
ما رجع حمادو…متى يرجع حمد..؟؟

ظل الأمل معقوداً لدى هذه المرأة / الأم لعل فلذة كبدها حمد سوف يطل عليها في يوم ما وتحتضنه، ولكن الأمل تلاشى بمرور الوقت حتى اختطفتها أيدي المنون وفي قلبها حسرة عميقة على ولدها.

رحل حمد، لكنه…
سيظل صديق الصبا العصي على النسيان…

مملكة البحرين
يوليو ٢٠٢٦م

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة