أخبار الشعب /
15 غشت 2025
بقلم الاستاذ الباحث البشيري بنرابح
قصيدة «تيهان النفس» ليست قصيدة عن الضياع بالمعنى العابر، وإنما عن الإنسان حين يفقد صلته بذاته، فيتحول الطريق من مسافة خارجية إلى متاهة داخلية، منذ المطلع تضعنا القصيدة أمام سؤال الخلاص، لكن سرعان ما يتضح أن السؤال الحقيقي ليس إلى أين أذهب؟ بل من أنا؟ لذلك تأتي العبارة «وما التيه أن تفقد الدرب فقط / ولكن أن تفقد المعنى فيك» باعتبارها مفتاحا لفهم النص كله، التيه هنا أزمة معنى وهوية قبل أن يكون أزمة اتجاه.
من هذا السؤال تنفتح القصيدة على أزمة الذات، فالإنسان قد يعرف وجهه واسمه وتاريخه، لكنه لا يكون بالضرورة قادرا على معرفة ذاته العميقة، لذلك تصبح صور الظل والمرآة والقناع أدوات للكشف النفسي، فالظل يرافق الذات دون أن يكشفها، والمرآة تظهر الوجه ولا تكشف النفس، والقناع يحمي الإنسان من الآخرين، وقد يتحول أحيانا إلى وسيلة لإخفاء الحقيقة عن الذات نفسها، فحين يسأل الشاعر: «أأنت أنا؟» فإنه لا يبحث عن إجابة بسيطة، بل يكشف هشاشة الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه، وتتعمق هذه الأزمة حين يدخل النص منطقة اللاوعي، حيث «حكايا القدم» التي تعيش في الخفاء وتؤثر في اختيارات الإنسان دون أن يدرك دائما مصادرها، وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجا هل كل ما نعتقد أننا نريده نابع فعلا من إرادة واعية؟ أم أن الماضي، والذاكرة، والرغبات المكبوتة، والخبرات القديمة تشارك في صناعة ما نسميه اختيارا؟ بهذا المعنى تستفيد القصيدة من الحس التحليلي النفسي دون أن تتحول إلى تشخيص، إذ تجعل المتكلم الشعري في مواجهة ما يخفيه عن نفسه قبل ما يخفيه عن الآخرين.
ومن اللاوعي تصل القصيدة إلى الجرح، فالذكريات لا تختفي لمجرد أننا أغلقنا عليها أبواب النسيان، والضحكة قد تخفي وجعا، وعبارة «أنا بخير» قد تكون أحيانا قناعا اجتماعيا يحمي هشاشة الداخل، فالشاعر لا يقع في تمجيد الألم، بل يمنحه قيمة مشروطة بالوعي «وأن الجراح إذا ما رأت / عيون الوعي تبدل وجهها»، فالمشكلة ليست في وجود الجرح وحده، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معه، إذ يمكن للتجربة المؤلمة أن تظل جرحا، ويمكن أيضا أن تتحول إلى معرفة بالذات إذا أُعيد فهمها واستيعابها.
من هنا تبدأ القصيدة في مغادرة منطقة الصراع مع النفس نحو الإصغاء إليها، فالهدوء ليس غياب الألم، وإنما القدرة على سماعه دون أن يصبح الإنسان أسيرا له، هذه النقلة مهمة لأنها تنقل النص من سؤال التخلص من الألم إلى سؤال فهمه، ومن هذا المنظور يصبح التيه نفسه قابلا لإعادة التأويل، فالضياع قد يكون مرحلة ضرورية لاكتشاف ما لم يكن الإنسان مستعدا لرؤيته وهو في حالة اليقين،
هنا يأتي الشك في القصيدة بوصفه قوة كاشفة لا مجرد حالة سلبية، «أريد اليقين فيأتي شك» و«أحمل شكي مصباح درب»، الشك هنا لا يهدم المعرفة، بل يمنعها من التحول إلى وهم نهائي، ومن هذه النقطة يأخذ النص بعده الوجودي، فالحقيقة ليست جوابا يغلق السؤال، وإنما رحلة تستمر ما دام الإنسان قادرا على إعادة النظر في نفسه ووجوده ومعناه.
الصراع الداخلي يبلغ درجة أكثر عمقا عندما يقول الشاعر: «وبين الذي نشاء أن نكون / وبين الذي صرنا إليه»، هنا تتجسد المسافة بين الذات الواقعية والذات المتخيلة، بين الإنسان كما هو والإنسان الذي يعتقد أنه ينبغي أن يكونه، فمن هذه المسافة يتولد الإحباط والاغتراب، لذلك ترفض القصيدة وهم الكمال، لا لتبرير النقص، وإنما تحرير الإنسان من محاكمة نفسه بصورة مثالية يستحيل تحقيقها، فيأتي التعبير «أريد أن أحتوي ضعف ذاتي / لا أحول ضعفي عدوا لها» باعتباره إحدى أهم لحظات النضج في النص، فالذات لا تحتاج دائما إلى الحرب مع نقاط ضعفها، بل إلى فهمها واحتوائها دون الاستسلام لها.
هنا يتغير مفهوم الهوية نفسه. «فلا أنا أنا كما كنت أمس / ولا الغد الغد الذي أرتجي»، ثم «وفي كل تحول مت شيئا / وولدت شيئا جديدا أنا» الإنسان في هذا التصور، ليس كيانا ثابتا وإنما سيرورة مستمرة، تتغير ذاته بتغير تجاربه، ويعيد بناء علاقته بالماضي والحاضر والمستقبل، لذلك فالبحث عن «أنا» نهائية قد يكون بحثا عن شيء غير موجود أصلا، يترتب على ذلك تصور جديد للحرية والشجاعة، فالحر ليس من لا يخاف وإنما من لا يسمح للخوف باستعباده، والشجاع ليس من يخلو من الألم، وإنما من يستطيع الاستمرار رغم وجوده، بهذا المعنى لا تقدم القصيدة النضج النفسي باعتباره حالة مثالية خالية من الصراع، بل باعتباره قدرة على العيش مع التعقيد الداخلي دون أن يتحول إلى سجن.
عندما تعود القصيدة في نهايتها إلى النفس، فإنها تعود إليها بعد أن تغيرت دلالتها، كانت النفس في البداية متاهة، أما الآن فأصبحت موطنا ينبغي الرجوع إليه، لذلك تأتي العبارة «ابدأ بأن لا تفر» كخلاصة للرحلة كلها، فالإنسان لا يستطيع أن يجد نفسه ما دام يهرب منها، هنا أيضا تكتسب عبارة «أنا سفر لا ينام» معناها العميق، فالذات ليست جوابا نهائيا بل رحلة مستمرة من التحول والوعي وإعادة اكتشاف المعنى.
القصيدة لا تنتهي بخلاص جاهز، ولا بادعاء امتلاك الحقيقة، وإنما بالتصالح مع فكرة أن الحياة نفسها سفر غير مكتمل، فالإنسان لا يحتاج إلى معرفة نهاية الطريق كي يمشي، ولا إلى التخلص من الخوف كي يكون حرا، ولا إلى بلوغ الكمال كي يقبل ذاته، يكفي أن يصغي إلى صوته الداخلي وألا يحول شكه إلى عجز، بهذا المعنى تنجح «تيهان النفس» في بناء رحلة متدرجة من اغتراب الذات إلى مواجهتها، ومن الخوف من الجرح إلى فهمه، ومن طلب اليقين إلى قبول السؤال، ومن وهم الكمال إلى احتواء النقص،وقيمتها السيكولوجية لا تكمن في أنها تقدم وصفة للخلاص، بل في أنها تضع الإنسان أمام حقيقة أكثر تعقيدا: أن النضج ليس أن نتخلص من كل ما يؤلمنا، وإنما أن نعرف كيف نحمله دون أن يفقدنا أنفسنا.











