حرب التزكيات 2026 : عندما يصبح المقعد سلعة والأعيان سادة المشهد.

habibtarik25 أغسطس 2026103 مشاهدةآخر تحديث :
حرب التزكيات 2026 : عندما يصبح المقعد سلعة والأعيان سادة المشهد.

أخبار الشعب /

 

– بقلم مصطفى حناوي

لم يعد الحديث داخل المقرات الحزبية عن البرامج والتصورات. النقاش اليوم واحد وبارد: “شكون غادي يدي التزكية؟ وبشحال؟”

 

مع إعلان الحكومة عن إجراء انتخابات أعضاء مجلس النواب يوم 23 شتنبر 2026، دخلت الأحزاب السياسية المغربية رسميا في ما يمكن تسميته “الموسم الأسود” للديمقراطية الداخلية. موسم تُقاس فيه قيمة المناضل بميزانيته، ويُوزن فيه الولاء الحزبي بثقل الشكارة.

 

1. من التأطير إلى المزاد العلني

 

ما يجري ليس صراعا عاديا على الترشيح. هو انقلاب في قواعد اللعبة.

في الدار البيضاء تحول الأمر إلى “ميركاتو سياسي” حقيقي. انتقالات بالجملة: عبد القادر بودراع من الأصالة والمعاصرة إلى التقدم والاشتراكية، وعبد اللطيف الناصري من التجمع الوطني للأحرار إلى الاتحاد الدستوري. الهدف واحد: ورقة التزكية.

 

وفي تاونات، وصلت “معركة تكسير العظام” داخل حزب التجمع الوطني للأحرار إلى العلن. صراع بين برلمانيين حاليين ومنسقين إقليميين طامحين للعودة إلى القبة، وصل حد الحملات المنظمة والاتهامات المتبادلة.

 

الرقم الذي يتردد في الكواليس ويصدم: 700 مليون سنتيم ثمنا لتزكية في دوائر معينة. سواء كان الرقم دقيقا أو مبالغا فيه، فمجرد تداوله يعني أننا انتقلنا من منطق الاستحقاق إلى منطق العرض والطلب.

 

2. تشخيص موضوعي: لماذا وصلنا إلى هنا؟

 

*أولا: استبداد “النجاعة الانتخابية”*

تواجه الأحزاب معضلة وجودية. بين خطاب تخليق الحياة السياسية الذي تفرضه المراجعات الدستورية، وبين هاجس الفوز بالمقاعد بأي ثمن. وكما يؤكد أستاذ العلوم السياسية سعيد الحميدي، فـ “النجاعة الانتخابية” هي التي تنتصر دائما. النتيجة: تفضيل المرشح “الوازن” ماليا وانتخابيا على المناضل “المؤطر” تنظيميا.

 

*ثانيا: أزمة إنتاج النخب*

اعتماد الأحزاب على الوجوه المخضرمة لم يعد خيارا بل ضرورة. في غياب مدارس سياسية حقيقية، وفي ظل عزوف الشباب، يصبح “العيان” هو الضامن الوحيد للحضور في “دوائر الموت”. وهكذا نعيد إنتاج نفس الوجوه، ونغلق الباب أمام التجديد.

 

*ثالثا: فراغ القانون وهيمنة الشبكات*

حين تغيب معايير واضحة وشفافة للتزكية، يملأ الفراغ منطق الشبكات والولاءات الشخصية والمال. تتحول التزكية من قرار سياسي إلى صفقة. ومن هنا تأتي اتهامات “بيع التزكيات” و”الإقصاء الممنهج” التي نسمعها حتى من داخل القيادات.

 

3. انهيار أم تراجع؟

 

لنكن دقيقين. القول بانهيار الديمقراطية الداخلية كليا فيه بعض التعميم. لا تزال هناك تجارب “نزر يسير” تحاول المقاومة. حزب العدالة والتنمية مثلا لجأ إلى انتخابات داخلية عبر التصويت السري لتزكية وكلاء 40 دائرة.

 

لكن هذه الاستثناءات تؤكد القاعدة. فالأصل اليوم هو:

– ترحال جماعي عند غياب التزكية

– استقالات جماعية احتجاجا على “تسليم التزكية من خارج قواعد الحزب”

– قيادات تؤجل الحسم “لتفادي الانشقاقات” وليس لفتح نقاش

 

4. الثمن السياسي

 

الثمن لن يدفعه الحزب فقط، بل المنظومة كلها.

عندما يشعر المناضل أن 10 سنوات من العمل الحزبي لا تساوي شيئا أمام شيك، وعندما يرى الناخب أن المرشح اشترى مقعده قبل أن يشتري صوته، فالنتيجة الحتمية هي مزيد من العزوف ومزيد من فقدان الثقة.

 

الأخطر أننا ننتج برلمانا لا يمثل مشروعا سياسيا، بل يمثل قدرة مالية وشبكة علاقات. برلمان تجار الانتخابات لا نواب الشعب.

 

و في الختام : سؤال ما بعد 23 شتنبر

 

إن “حرب التزكيات” الحالية هي اختبار قاس لمدى جدية الأحزاب في الإصلاح. فإما أن تكون محطة لمراجعة الذات واعتماد الشفافية وتجديد النخب، وإما أن تكون تأكيدا رسميا أن السياسة في المغرب انتقلت نهائيا من ساحة الأفكار إلى سوق النخاسة.

 

السؤال المطروح على القيادات اليوم ليس “كم مقعدا سنحصل عليه؟” بل “بأي ثمن سنحصل عليه؟”.

والجواب عليه سيحدد شكل المشهد السياسي لسنوات قادمة.

 

فهل نحن أمام بداية النهاية، أم أمام بداية الوعي بالنهاية؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة