اخبار الشعب/ *بقلم: مصطفى حناوي – صحافي حر*
– تمهيد-
لا يمكن الحديث عن مستقبل المغرب دون أن ننطلق من الثابت المؤس: ـالرؤية الملكية السامية للإصلاح الشمولي ـ رؤية لا تختزل الإصلاح في ورش قانوني أو قطاع اقتصادي، بل تعتبره مشروعاً حضارياً متكاملاً يمس السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والإعلام، ويربط بين المحلي والجهوي والدولي بخيط ناظم واحد: كرامة الإنسان المغربي.
-1. كنه المقاربة الوطنية: الإصلاح التراكمي لا القطائعي
-المؤسسة الملكية- في المغرب لم تقدم الإصلاح كشعار موسمي، بل كمسار دولة. من -هيئة الإنصاف والمصالحة ـ إلى-النموذج التنموي الجديد-، ومن -الجهوية المتقدمة – إلى -ورش تعميم الحماية الاجتماعية-، ومن -مدونة الأسرة- إلى -النموذج الجديد للتنمية البشرية-، نلاحظ منهجاً واحداً: تشخيص دقيق، تنزيل تدريجي، وتقييم مستمر.
الخصوصية المغربية أن الإصلاح لا يتم بالهدم وإعادة البناء، بل بالترميم والتحديث. وهذا ما منح النموذج المغربي مناعته في محيط إقليمي مضطرب، وجعله نموذجاً للاستقرار المقرون بالإصلاح.
-2. البعد الجهوي والدولي: المغرب فاعلاً لا متلقياً-
-أفريقياً-: انطلقت -المؤسسة الملكية- من مبدأ “الربح للجميع”. مبادرات ملكية في أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، ومبادرة الواجهة الأطلسية لولوج دول الساحل إلى البحر، ومشاريع الطاقة والفلاحة، جعلت من المغرب شريكاً تنموياً حقيقياً لا مانح مساعدات.
-متوسطياً وأوروبياً-: المغرب جسر استقرار بين ضفتي المتوسط. شراكات في الهجرة، الأمن، والطاقات المتجددة تؤكد أن المقاربة المغربية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
-دولياً-: في زمن تعدد الأقطاب، قدم المغرب نفسه كدولة ذات سيادة قرارها بيدها، منفتحة على الجميع، ومنحازة لقضاياها العادلة وعلى رأسها الوحدة الترابية.
-3. المقارنة الدولية: دروس من تجارب العالم ـ
– ـأوروبا الشرقيةـ: “صدمة اقتصادية” سريعة لكن بكلفة اجتماعية عالية وتفك نسيج اجتماعي.
– -أمريكا اللاتينية -: إصلاح سياسي سبق الاقتصادي فاصطدم بهشاشة المؤسسات والزبونية.
– -دول الخليج: تنويع اقتصادي مدعوم بثروة نفطية، نموذج غير قابل للنسخ في سياقنا.
-الفرق المغربي -: جمع بين الثلاثة دون التضحية بأي منها. إصلاح سياسي متدرج، تنويع اقتصادي قائم على الصناعة والفلاحة والخدمات والطاقات المتجددة، وشبكة حماية اجتماعية تستهدف الكرامة. هذا هو “الشمول” الحقي: لا فصل بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
-4. أركان الإصلاح الشمولي: 5 أوراش كبرى-
1. – السياسي والمؤسساتي*: تقوية الأحزاب، تخليق الحياة العامة، وإعمال ربط المسؤولية بالمحاسبة.
2. ـ الاقتصاديـ: تسريع الاستثمار، تبسيط المساطر، دعم المقاولة الصغرى والمتوسطة، والانتقال نحو اقتصاد المعرفة والصناعات المستقبلية.
3. -الاجتماعيـ: إنجاح ورش الحماية الاجتماعية، الصحة، التعليم، والسكن، باعتبارها مدخلاً للعدالة المجالية.
4. -الثقافي والحقوقي-: صيانة التعدد اللغوي والثقافي، ترسيخ حقوق الإنسان، وتمكين الشباب والمرأة كقاطرة للتغيير.
5. -الرقمي والإعلامي-: الانتقال الرقمي للإدارة، وتحصين الفضاء العام من التضليل والتزييف العميق.
-5. دور الإعلام الحر: سلطة مرافقة لا سلطة معارضة فقط-
في قلب الإصلاح الشمولي، يقع *الإعلام* كشريك استراتيجي. الإعلام الحر والمهني ليس ناقلاً للأخبار فقط، بل هو:
– -مرآة المجتمع-: ينقل نبض الشارع بصدق وموضوعية.
– *سلطة نقدية بناءة*: تراقب وتقوم دون هدم، وتسائل دون تشهير.
– -حصن منيع-: ضد خطابات الكراهية والأخبار الزائفة التي حذرت منها الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.
الصحافي الحر اليوم مطالب بأن يكون محللاً ومؤطراً ومقترحاً للحلول، لا مكتفياً بالوصف. وعليه أن يواكب تنزيل الأوراش الكبرى، ويقربها من المواطن بلغته اليومية.
-التحديات الكبرى: من التشريع إلى الأثر-
أكبر تحدٍ لم يعد في صياغة النصوص، بل في *ترجمتها إلى أثر ملموس في حياة الناس*. السرعة في التنزيل، الحكامة في التدبير، والجرأة في التقييم. بدون ذلك يبقى الإصلاح حبراً على ورق.
– خاتمة لا بد منها : عقد اجتماعي جديد ـ
الإصلاح الشمولي الذي تؤطره الرؤية الملكية السامية ليس مشروع حكومة أو حزب. هو -عقد اجتماعي جديد ـبين الدولة والمجتمع. عقد تقوده *المؤسسة الملكية* كضامن للاستمرارية والاستقرار، وتتحمله الحكومة والبرلمان والمجتمع المدني والمقاولة والإعلام والمواطن.
العالم اليوم يعيش تحولات كبرى: ذكاء اصطناعي، أزمة مناخ، حروب اقتصادية. وفي هذا الزمن الصعب، يحتاج المغرب إلى بوصلة واضحة. وهذه البوصلة موجودة.
فلنعمل جميعاً حتى يلمس المواطن الإصلاح في مدرسة ابنه، وفي مستشفى أمه، وفي فرصة شغل أخيه. عندها فقط يصبح للإصلاح معنى.
_الدار البيضاء، 28 غشت 2026_












