أخبار الشعب /
بقلم الفنان الباحث البشيري بنرابح
بسيطا يبدو السؤال، لكنه أكثر تعقيدا حين نتأمل حجم الاهتمام الذي تحظى به تفاصيل لا علاقة مباشرة لنا بها من تزوج؟ من طلق؟ من ارتبط؟ من انفصل؟ من اشترى بيتا أو سيارة؟ من ظهر مع من؟ ومن اختلف مع من؟ ومن خان من؟
فحين يتعلق الأمر بالمشاهير، يتحول الفضول إلى ظاهرة جماعية، انفصال فنان يصبح موضوعا للنقاش، وعلاقة رياضي تتحول إلى مادة للتخمين، وصورة عابرة مع شخص آخر تفتح أبواب التأويل، وكأن الجمهور لم يعد يكتفي بمتابعة أعمال المشاهير، بل يريد امتلاك مفاتيح حياتهم الخاصة أيضا.
ـ الفضول… حين يتجاوز حدوده.
الفضول حاجة إنسانية طبيعية، نحن نميل إلى معرفة الجديد، خصوصا حين يتعلق بشخصيات نعرفها أو نتابعها، لكن الفضول قد يتجاوز حدوده، فيتحول إلى مراقبة ومقارنة وانشغال، نحن لا نتابع حياة الآخرين دائما لأننا نهتم بهم فعلا، بل لأن حياتهم تمنحنا فرصة لمقارنة أنفسنا بهم… نجاحهم بنجاحنا، علاقاتهم بعلاقاتنا، مستوى عيشهم بمستوى عيشنا، وحتى إخفاقاتهم بإخفاقاتنا، ثم إننا بطبيعتنا نحب الأخبار المثيرة، خبر عن عمل فني جديد قد يمر دون اهتمام كبير، بينما خبر عن طلاق أو خلاف أو علاقة عاطفية قادر على إشعال آلاف التعليقات، وهنا ينتقل الفضول من البحث عن المعرفة إلى البحث عن الإثارة.
إن تعثرات المشاهير قد تمنحنا نوعا من التعويض النفسي، حين نكتشف أن الشخص الذي يبدو ناجحا وسعيدا يعيش هو الآخر مشكلات وانكسارات، نشعر بأن المسافة بيننا وبينه ليست كبيرة كما كنا نتخيل، فالشهرة والمال لا يلغيـان هشاشة الإنسان، لكن الخطر يبدأ عندما تصبح حياة الآخر أكثر حضورا في وعينا من حياتنا نحن.
ـ الشهرة لا تلغي الخصوصية.
ثمة وهم آخر يستحق التوقف هل الشهرة تجعل الإنسان مباحًطا للجميع؟
يبدو أن بعض الجمهور يتعامل مع المشهور باعتباره شخصا فقد حقه في الخصوصية بمجرد أن أصبح معروفا، هذا خلط واضح بين الظهور العام والملكية العامة، أن تكون مشهورا يعني أن تكون معروفا، وليس أن تكون مباحا، فمشاركة الإنسان جزءا من حياته مع الجمهور لا تعني أنه تنازل عن حقه في الاحتفاظ بجزء آخر لنفسه، في المقابل يساهم بعض المشاهير أنفسهم في تكريس هذا الوهم حين يحولون تفاصيل حياتهم الشخصية إلى محتوى دائم، كلما زادت المشاركة ارتفعت توقعات الجمهور، ليصبح الصمت نفسه مدعاة للتخمين لماذا اختفى؟ لماذا حذف الصورة؟ مع من ظهر؟ هل انفصل؟ هل ارتبط؟
هنا يجد المشهور نفسه أحيانا بين حاجته إلى الجمهور وحاجته إلى خصوصيته.
ـ من الفضول إلى «البوز»
مواقع التواصل الاجتماعي منحت الفضول وقودا جديدا، المعلومة التي كانت تنتهي في جلسة أو حديث عابر أصبحت اليوم قادرة على الانتشار في دقائق، والتحول إلى مئات المقاطع وآلاف التعليقات والتخمينات،
الفضول هناةدخل في رصد الانتباه، فالمحتوى الذي يثير الدهشة والجدل والغضب، يجذب المشاهدات والتفاعل، ولذلك أصبح «البوز» صناعة قائمة على استثمار فضول الجمهور،
صورة غامضة، تصريح مقتطع، إشاعة غير مؤكدة، أو ظهور شخصين في مكان واحد، يمكن أن تتحول إلى مادة قابلة للتداول، فكلما زاد الغموض، زادت التخمينات، وكلما زادت التخمينات، ارتفع التفاعل، والأهم أن الجمهور لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يشارك في صناعته. فكل مشاهدة وتعليق ومشاركة وإعادة نشر تقول للمنصة: هذا النوع من المحتوى يجذبني، أعطني المزيد.
هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجا ليس فقط لماذا نريد أن نعرف؟، بل من الذي يصنع رغبتنا في المعرفة ومن الذي يستفيد منها؟
فمراقبة حياة الآخرين أسهل من مراقبة حياتنا، وتحليل علاقة فنان أسهل من تحليل علاقاتنا، وإصدار الأحكام على طلاق شخص آخر أسهل من الاعتراف بأن بعض علاقاتنا تحتاج إلى مراجعة، لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا نهتم بحياة الآخرين؟ بل ماذا نحاول ألا نراه في حياتنا حين ننشغل بحياتهم؟…..المشكلة ليست في أن نعرف خبرا عن مشهور، فهذا جزء من الفضول الإنساني الطبيعي. المشكلة حين يتحول الفضول إلى عادة، والعادة إلى إدمان، والإدمان إلى صناعة، ثم يصبح اهتمامنا بالآخرين وسيلة لإهمال أنفسنا، وربما لهذا أصبحت حياة الآخرين خبزا يوميا للجمهور، لأنها تمنحنا شيئا نتحدث عنه ونختلف حوله ونحكم عليه ونستهلكه… بينما نؤجل، مرة أخرى، الحديث الأصعب ماذا فعلنا نحن بحياتنا؟
الدار البيضاء 29 غشت 2026
جريدة أخبار الشعب











