اخبار الشعب/ خطوط النواصر
في منعطف جديد من مسار إصلاح منظومة التعليم العالي بالمغرب، تتجه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار نحو استكمال تنزيل المقتضيات التنظيمية المرتبطة بالقانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، في وقت عاد فيه ملف الوضعية القانونية لرؤساء الشعب، وحدود صلاحيات إعفائهم، إلى واجهة النقاش المؤسساتي والأكاديمي.
وتزامناً مع مواصلة الحكومة تنزيل النصوص التطبيقية للقانون الجديد، صادق مجلس الحكومة المنعقد يوم 10 شتنبر 2026 على ثلاثة مشاريع مراسيم تندرج في إطار تطبيق مقتضيات القانون رقم 59.24، بما يؤشر على انتقال المنظومة من مرحلة التشريع إلى مرحلة التنزيل التنظيمي العملي.
غير أن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في سؤال: هل يمكن إعفاء رئيس الشعبة؟ بل في السؤال الأعمق والأكثر دقة: متى يصبح الإعفاء مشروعاً؟ ومن يملك سلطة اتخاذه؟ وما هي الضمانات التي تحمي رئيس الشعبة من قرار قد يكون غير مؤسس على وقائع ثابتة أو قد يشوبه خلل في المسطرة؟
القانون لا يمنح رئيس الشعبة حصانة لمجرد أنه وصل إلى منصبه عن طريق الانتخاب، فالانتخاب لا يحول دون ترتيب المسؤولية متى ثبت الامتناع عن أداء المهام أو الإخلال الجسيم بها. وفي المقابل، فإن إمكانية الإعفاء لا تعني منح الإدارة سلطة مطلقة تمكنها من إنهاء مهام منتخب أكاديمي بإرادة منفردة ودون احترام الضمانات القانونية.
وهنا تظهر أهمية المسطرة.
فبحسب المقتضيات التي أثيرت في النقاش حول النص التنظيمي، تبدأ العملية بإعذار كتابي معلل يوجه إلى رئيس الشعبة، يتضمن الأفعال أو التقصيرات المنسوبة إليه، قبل منحه أجلاً محدداً لتقديم مذكرته ومبرراته. وهذه المرحلة ليست إجراءً شكلياً عابراً، وإنما تشكل إحدى أهم ضمانات حق الدفاع.
فإذا كان رئيس الشعبة يواجه اتهاماً بعدم أداء مهامه أو بالإخلال الجسيم بها، فإن من حقه أن يعرف بدقة ما هي الأفعال التي تنسب إليه، ومتى وقعت، وما هي المهام التي قيل إنه امتنع عن أدائها، وما هي العناصر التي تستند إليها الإدارة في بناء موقفها.
ومن هنا، فإن أول نقطة يمكن أن يتحول عندها ملف الإعفاء إلى نزاع قانوني هي مدى وضوح الإعذار وتعليله.
أما إذا قدم رئيس الشعبة مذكرته داخل الأجل القانوني، فإن الإدارة لا يمكن أن تتعامل معها باعتبارها مجرد ورقة شكلية؛ بل ينبغي أن تدخل في صلب مضمونها، وأن تبين لماذا تعتبر المبررات المقدمة غير كافية، وأن تربط ذلك بالوقائع الثابتة في الملف.
وبعد هذه المرحلة، لا يتوقف الأمر عند رئيس المؤسسة، إذ إن المسطرة المنشورة تجعل التقرير المعلل ينتقل إلى رئيس الجامعة، ثم يعرض على اللجنة المختصة لإبداء رأي معلل قبل اتخاذ القرار النهائي.
وهنا تتجلى قاعدة مؤسساتية بالغة الأهمية: من يملك سلطة بدء المسطرة ليس بالضرورة هو نفسه من يملك سلطة اتخاذ قرار الإعفاء النهائي.
وبذلك يصبح الملف محكوماً بسلسلة من الضمانات والمراحل، تبدأ بالإعذار، وتمر بحق الدفاع، ثم بالتقرير المعلل، فبدراسة الملف على المستوى الجامعي، قبل الوصول إلى القرار النهائي.
وفي المقابل، فإن الجامعة تملك أساساً قانونياً للدفاع عن قرار الإعفاء إذا استطاعت أن تثبت أن الأمر لا يتعلق بمجرد اختلاف في وجهات النظر أو خلاف شخصي أو أكاديمي، وإنما يتعلق بوقائع حقيقية وثابتة تشكل امتناعاً عن أداء مهام أساسية أو إخلالاً جسيماً بها.
وهنا تكمن الكلمة الأكثر حساسية في الملف كله: «الجسيم».
فليس كل خطأ إخلالاً جسيماً، وليس كل اختلاف في التقدير امتناعاً عن أداء المهام، وليس كل نزاع داخل المؤسسة سبباً مشروعاً لإنهاء مهام رئيس شعبة منتخب.
وفي المقابل، فإن استمرار رئيس الشعبة في الامتناع عن أداء مهام أساسية رغم توجيه إعذار رسمي، وثبوت ذلك بالمراسلات والمحاضر والوثائق، يمكن أن يمنح الإدارة أساساً أقوى للدفاع عن قرارها.
ولهذا فإن قوة أي قرار إعفاء ستتوقف بدرجة كبيرة على قوة الملف الذي بني عليه.
إذا كانت الإدارة تتوفر على مراسلات رسمية، ومحاضر اجتماعات، وتكليفات محددة، وأجوبة موثقة، ووقائع مؤرخة، وتستطيع إثبات أن رئيس الشعبة امتنع فعلاً عن أداء مهام تدخل في اختصاصه، فإن موقف الجامعة يصبح أكثر قوة.
أما إذا كان الملف قائماً على عبارات عامة من قبيل «عدم القيام بالمهام» أو «الإخلال بواجبات المسؤولية» دون تحديد الوقائع والأفعال والتواريخ والأدلة، فإن باب المنازعة القضائية يظل مفتوحاً بقوة.
وفي المقابل، يستطيع رئيس الشعبة أن يبني دفاعه على عدة محاور: غياب الإخلال الجسيم، عدم ثبوت الوقائع، عدم احترام أجل الدفاع، عدم دراسة مذكرته، غياب التعليل الكافي، أو عدم احترام المراحل المنصوص عليها في المسطرة.
وقد يصبح الطعن أكثر قوة إذا استطاع المعني بالأمر إثبات أن الوقائع التي اعتمدت عليها الإدارة غير صحيحة، أو أن المهام التي قيل إنه امتنع عن أدائها لم تكن داخلة أصلاً في اختصاصه، أو أنه قام بها فعلاً وأثبت ذلك بوثائق رسمية.
أما إذا ثبت أن المسطرة استعملت لتحقيق غاية مختلفة عن الغاية القانونية المتمثلة في ضمان حسن سير الشعبة، فقد يثار أيضاً نقاش حول الانحراف في استعمال السلطة، غير أن إثبات هذا الأمر يحتاج إلى قرائن ووثائق قوية، وليس مجرد خلاف في المواقف.
وهكذا، فإن المعركة القانونية الحقيقية ليست بين «رئيس شعبة منتخب» و«إدارة تملك سلطة الإعفاء»، وإنما بين قرار إداري يجب أن يكون مشروعاً ومعللاً ومبنياً على وقائع ثابتة، وحق مسؤول منتخب في ضمانات الدفاع واحترام المسطرة.
فالانتخاب لا يمنح الحصانة، كما أن السلطة الإدارية لا تمنح التفويض المطلق.
وبين هذين المبدأين يقف القانون باعتباره الحكم الأعلى في تنظيم العلاقة بين المسؤولية والمحاسبة.
إن ورش القانون رقم 59.24 لا يتعلق فقط بتغيير هياكل التعليم العالي، وإنما بإعادة ترتيب المسؤوليات داخل الجامعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع ضرورة الحفاظ في الوقت ذاته على استقلالية العمل الأكاديمي واحترام المؤسسات والاختصاصات.
وقد جاءت المصادقة الحكومية الأخيرة على مشاريع مراسيم جديدة مرتبطة بالقانون 59.24 لتؤكد أن مرحلة التنزيل التنظيمي دخلت طوراً أكثر تقدماً، وأن عدداً من التفاصيل التي كانت موضوع نقاش أصبحت الآن مرتبطة بمسار قانوني وتنظيمي متكامل.
وفي نهاية المطاف، فإن الرسالة الأوضح التي يبعث بها هذا النقاش هي أن المسؤولية لا ينبغي أن تكون امتيازاً بلا محاسبة، كما أن المحاسبة لا ينبغي أن تتحول إلى إعفاء بلا ضمانات.
إن الجامعة القوية ليست التي تعفي مسؤوليها بسهولة، ولا التي تحصنهم من المحاسبة، وإنما الجامعة التي تجعل القانون فوق الأشخاص، والمؤسسات فوق النزاعات، والوقائع فوق الانطباعات، والتعليل فوق القرارات الارتجالية.
وفي ميزان القانون، لا يكفي أن تقول الإدارة إن الإعفاء مشروع، ولا يكفي أن يقول المسؤول إن انتخابه يحميه؛ بل يجب أن يتحدث الملف نفسه، بوثائقه ومحاضره ومراسلاته ومسطرته، ليحسم السؤال: هل كان الإعفاء تطبيقاً للقانون، أم أن القانون نفسه لم يُحترم أثناء الإعفاء؟











