أخبار الشعب / هند بومديان
كلما اقترب موعد الانتخابات، تتغير لغة الخطاب السياسي بشكل لافت. فجأة تصبح مشاكل المواطنين في مقدمة الأولويات، وتصبح الأحياء التي عانت لسنوات من التهميش محوراً للبرامج، وتتحول الملفات الاجتماعية والاقتصادية إلى وعود كبيرة تنتظر فقط وصول المرشح إلى موقع المسؤولية.
قبل التصويت: وعود بالجملة.
لكن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط، والذي يستحق جواباً واضحاً، هو: ماذا يحدث لهذه الوعود بعد ظهور النتائج؟
تجارب انتخابية سابقة جعلت كثيراً من المواطنين أكثر حذراً تجاه الخطابات التي تَعِدُ بتغيير كل شيء في وقت قصير. فهناك فرق كبير بين برنامج انتخابي مبني على دراسة وإمكانيات واقعية، وبين وعود تُطلق أمام المواطنين فقط لكسب أصواتهم.
المواطن لا يريد مستحيلاً.
هو يريد مدرسة أفضل، ومركزاً صحياً يشتغل بكفاءة، وشوارع نظيفة، ونقلًا يحترم كرامته، وإدارة تتعامل معه بجدية، وفرصاً حقيقية للشباب، ومشاريع قادرة على خلق التنمية.
لكن عندما يتحول كل مطلب إلى وعد انتخابي، وكل مشكلة إلى تعهد بالحل، يصبح من المشروع أن يسأل المواطن: أين هي الإمكانيات؟ وما هي الآجال؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
المشكلة الأكبر تبدأ بعد الانتخابات.
فبعد أن تهدأ الحملة، تختفي بعض الوجوه التي كانت حاضرة يومياً، ويبدأ المواطن في البحث عن المنتخب الذي طرق بابه بالأمس. وعندما يطالب بتنفيذ الوعود، قد يجد نفسه أمام سلسلة من التبريرات: الميزانية لا تكفي، الاختصاص ليس لنا، المشروع يحتاج إلى موافقة، الظروف لم تسمح، أو أن المسؤولية تقع على جهة أخرى.
وهكذا، تتحول المعادلة إلى:
قبل التصويت: وعود بالجملة.
بعد الفوز: أعذار بالجملة.
لكن لا ينبغي أن تصبح هذه القاعدة أمراً طبيعياً في الحياة السياسية.
المنتخب الذي يطلب ثقة المواطن يجب أن يكون مستعداً أيضاً لتحمل مسؤولية هذه الثقة. والبرنامج الانتخابي ليس ورقة دعائية تنتهي صلاحيتها في اليوم الموالي للانتخابات، بل التزام سياسي وأخلاقي تجاه المواطنين.
وفي المقابل، فإن الناخب مطالب هو الآخر بتغيير طريقة تعامله مع الانتخابات. لا يكفي أن يسمع ما سيحصل عليه، بل عليه أن يسأل كيف سيحصل عليه. ولا يكفي أن يسمع وعوداً بالمشاريع، بل عليه أن يسأل عن مصدر تمويلها والجهة التي تملك صلاحية إنجازها.
كما أن محاسبة المنتخب لا ينبغي أن تبدأ قبل الانتخابات المقبلة فقط. المتابعة يجب أن تبدأ من اليوم الأول لتولي المسؤولية.
من هنا، يصبح الإعلام والمجتمع المدني والمواطنون أمام مسؤولية مشتركة: طرح الأسئلة، تتبع البرامج، مقارنة الوعود بالحصيلة، وعدم السماح بتحويل الانتخابات إلى موسم مؤقت للكلام.
فالسياسة الجادة لا تُقاس بعدد الوعود التي أطلقها المرشح، وإنما بعدد الالتزامات التي استطاع تحويلها إلى واقع.
وفي النهاية، يبقى القرار بيد المواطن.
فهو لا يملك فقط ورقة يضعها في صندوق الاقتراع، بل يملك سلطة منح الثقة أو حجبها.
ولهذا، قبل أن يسمع المواطن وعداً جديداً، عليه أن يسأل عن الوعد القديم.
وقبل أن يمنح صوته لمن يقول “سأفعل”، من حقه أن يسأله: ماذا فعلتَ من قبل؟
لأن الانتخابات ليست موسم الكلام، وإنما اختبار للثقة والمسؤولية والقدرة على الإنجاز.









