اخبار الشعب/ بقلم خطوط النواصر
في صفحات الذاكرة المغربية، لا تحفظ الصور القديمة ملامح المدن والطرقات فحسب، بل تحفظ معها تفاصيل الحياة اليومية، وحكاية السيارة وهي تشق طريقها نحو مغربٍ كان يعيش تحولات عميقة في العمران والاقتصاد والمجتمع. ومن بين أكثر المشاهد دلالةً على ذلك، محطات الوقود التي انتصبت في طنجة ومراكش والدار البيضاء، حاملةً أسماء عالمية مثل Shell وMobilgas، وشاهدةً على زمن كانت فيه تعبئة خزان السيارة حدثاً يعكس مستوى الأسعار والتحولات الاقتصادية في البلاد. طنجة 1949… حين كانت Shell عنواناً لعصر جديد في سنة 1949، كانت طنجة تعيش وضعاً خاصاً باعتبارها منطقة دولية، وفي قلب هذا المشهد تظهر صورة أرشيفية لمحطة وقود تابعة لـShell، توثق وجود المحطة في المنطقة الدولية لطنجة. وتُظهر الصورة أحد السائقين البريطانيين وهو يتزود بالوقود بمساعدة عامل المحطة، في مشهد يجسد حضور السيارات ومحطات الخدمة الحديثة في المدينة خلال تلك المرحلة. الصورة محفوظة ضمن أرشيف Hulton Archive التابع لـGetty Images، ومؤرخة بسنة 1949. أما الأسعار، فتمنحنا الوثائق الاقتصادية المغربية صورة دقيقة عن مستوى تكلفة الوقود في تلك الحقبة. فقد بلغ متوسط سعر بيع Essence de tourisme بالتقسيط في الدار البيضاء خلال أكتوبر ونونبر 1949 حوالي 19.38 فرنكاً للتر، قبل أن يصل في دجنبر إلى حوالي 20 فرنكاً للتر. وفي المقابل، حددت وثيقة رسمية في أبريل 1949 السعر الأقصى للبيع بالجملة عند 16.70 فرنكاً للتر للبنزين و14 فرنكاً للتر للغازوال في الدار البيضاء والمحمدية، وهو ما يبرز الفرق بين سعر الجملة والسعر الذي يصل إلى المستهلك. مراكش 1955… Mobilgas في قلب مدينة تتغير بعد ست سنوات، تقودنا الذاكرة المصورة إلى مراكش، حيث تظهر محطة Mobilgas في مشهد أرشيفي لافت، تتقدم فيه عربة تجرها الخيول نحو مضخة الوقود، في صورة تختزل مرحلة انتقال تاريخية: وسائل النقل التقليدية ما تزال حاضرة، بينما كانت السيارة ومحطة البنزين تعلنان بقوة عن زمن جديد. وتكتسب هذه الصورة قيمة خاصة لأنها لا تقدم محطة وقود فحسب، وإنما ترسم مشهداً من الحياة اليومية لمراكش في منتصف الخمسينيات، حين كانت المدينة تتغير تدريجياً وتتوسع حركة السيارات والنقل. أما أسعار الوقود في منتصف الخمسينيات، فتشير النشرات الاقتصادية المغربية إلى أن متوسط سعر البنزين بالتقسيط في الدار البيضاء خلال 1955 كان في حدود 32.3 إلى 32.5 فرنكاً للتر في بداية السنة، بينما كانت أسعار الجملة للبنزين تدور حول 31 فرنكاً للتر، وأسعار الغازوال حول 27 فرنكاً للتر بحسب الفترة. وهنا تبرز حقيقة اقتصادية مهمة: الأرقام المتداولة في الوثائق ليست كلها أسعار المضخة؛ فهناك سعر الجملة وهناك سعر البيع بالتقسيط، ولذلك ينبغي عدم الخلط بينهما عند قراءة تاريخ أسعار الوقود. مراكش 1958… عندما تحولت محطة الوقود إلى قطعة من العمارة الحديثة وفي سنة 1958، تدخل مراكش مرحلة أخرى من هذه الذاكرة، مع محطة الوقود المرتبطة باسم المعماري Jean-François Zévaco، أحد الأسماء البارزة في العمارة المغربية الحديثة. وتوثق المراجع المعمارية المشروع تحت تسمية Petrol station, Marrakech, 1958، أي محطة وقود بمراكش سنة 1958. ويُتداول ارتباط هذا الموقع بمنطقة شارع يعقوب المنصور قرب حديقة ماجوريل، غير أن الدقة التاريخية تفرض التمييز بين توثيق محطة زيفاكو سنة 1958 وبين عنوان محطة Shell الموجودة حالياً في تقاطع يعقوب المنصور وبير أنزران؛ فلا ينبغي الجزم بأن المنشأتين هما بالضرورة نفس البناية من دون وثيقة أرشيفية مباشرة تحسم ذلك. 1958… أرقام تكشف حجم التحول وفي الوقت الذي كانت فيه مراكش تعرف هذه التحولات العمرانية، تكشف النشرات الاقتصادية المغربية عن ارتفاع كبير في أسعار المنتجات النفطية. ففي الربع الأخير من سنة 1958 بلغ متوسط سعر الجملة في الدار البيضاء حوالي 61.25 فرنكاً للتر للبنزين، وحوالي 40.45 فرنكاً للتر للغازوال. وللمقارنة، تُظهر بنية الأسعار الرسمية في بداية سنة 1959 أن سعر البيع بالتقسيط وصل إلى حوالي 64.30 فرنكاً للتر للبنزين، وحوالي 43.50 فرنكاً للتر للغازوال، وهي أرقام تسمح بفهم المستوى الذي وصلت إليه الأسعار في نهاية الخمسينيات. الدار البيضاء… القلب الاقتصادي لشبكة المحروقات ولم تكن الدار البيضاء بعيدة عن هذا التحول؛ فقد كانت مركزاً أساسياً لتوزيع المنتجات النفطية، وتظهر الوثائق التاريخية وجود محطات وشركات متعددة مرتبطة بهذا النشاط، من بينها Shell وEsso وغيرها، في وقت كانت فيه المدينة تتحول بسرعة إلى مركز اقتصادي وتجاري كبير. وتشير المعطيات التاريخية إلى وجود محطة خدمة بشارع Aspirant Lafuente عند تقاطع مع شارع Longwy خلال خمسينيات القرن الماضي، كما توثق مراجع أخرى وجود Garage ESSO في Boulevard de Lorraine سنة 1955، وهو ما يعكس اتساع شبكة محطات الخدمة في المدينة خلال تلك المرحلة. كما تسجل بيانات الشركات وجود محطة خدمة تابعة لـShell بالدار البيضاء خلال النصف الثاني من الخمسينيات، بما يؤكد الحضور القوي للعلامات النفطية الدولية في المشهد الحضري المغربي آنذاك. من 20 فرنكاً إلى أكثر من 60 فرنكاً… قصة سعر تختصر مرحلة كاملة حين نضع هذه الأرقام والصور جنباً إلى جنب، تظهر أمامنا رحلة تاريخية واضحة. ففي نهاية الأربعينيات كان سعر البنزين بالتقسيط في الدار البيضاء يدور حول 20 فرنكاً للتر، وبحلول 1955 أصبح في حدود 32 فرنكاً، ثم اقترب مستوى أسعار الجملة من 61 فرنكاً للتر في نهاية 1958، قبل أن تتجاوز أسعار البيع بالتقسيط ذلك المستوى. لكن هذه الزيادة لا ينبغي قراءتها بمعزل عن التحولات الاقتصادية الكبرى التي عرفها المغرب، ولا عن اختلاف نوع السعر والضرائب وهوامش التوزيع وتكاليف الاستيراد والتكرير والنقل. وثيقة بصرية… وذاكرة وطنية إن صور طنجة سنة 1949، ومراكش حوالي 1955، ومحطة مراكش المعمارية سنة 1958، لا تمثل مجرد صور لمحطات بنزين قديمة؛ إنها وثائق بصرية تختزن تاريخاً كاملاً عن تطور المغرب، وعن انتقال مدنه من عالم كانت فيه العربات التي تجرها الخيول جزءاً أساسياً من المشهد، إلى عالم أصبحت فيه السيارة ومحطة الوقود عنواناً للحداثة والحركة الاقتصادية. ومن Shell طنجة 1949 إلى Mobilgas مراكش 1955، ثم إلى محطة مراكش سنة 1958 المرتبطة بزيفاكو، وصولاً إلى شبكة محطات الدار البيضاء، تتشكل أمامنا لوحة تاريخية تؤكد أن تاريخ المحروقات في المغرب ليس مجرد أرقام على لوحات الأسعار، وإنما جزء من تاريخ المدن والناس والاقتصاد والعمارة. إنها ذاكرة مغربية تُقرأ في صورة، وتُحسب بالفرنك، وتُروى اليوم من جديد.













