أخبار الشعب /
خطوط النواصر
في قلب جهة العيون الساقية الحمراء، حيث تتعانق أصالة الموروث المغربي مع روح المبادرة والعمل المنتج، تبرز تجربة نسائية تستحق التقدير والإنصاف، تقودها السيدة مريم عياش، رئيسة تعاونية الفيرس اكليمينة المتخصصة في إنتاج الكسكس، في مسار يجمع بين الحفاظ على الموروث الغذائي الأصيل، وتشجيع العمل التعاوني، وفتح آفاق جديدة أمام النساء، ولا سيما النساء الأرامل، للاندماج في سوق الشغل وتحويل المهارات التقليدية إلى مورد كريم للعيش والاستقلال الاقتصادي.
وقد اكتسبت التعاونية حضوراً لافتاً من خلال مشاركتها عن جهة العيون الساقية الحمراء في المعرض الدولي للفلاحة بمكناس في نسخته الثامنة عشرة سنة 2026، وهو حضور يعكس قيمة العمل الذي تقوم به التعاونيات النسائية في تثمين المنتجات المحلية والتعريف بها خارج محيطها الجغرافي، كما يؤكد أن المنتوج المغربي الأصيل قادر على الوصول إلى أكبر التظاهرات المهنية والوطنية.
وتحمل تجربة مريم عياش بعداً يتجاوز إنتاج الكسكس، لأن العمل التعاوني في مثل هذه المبادرات يصبح وسيلة لإعطاء المرأة مكانتها داخل الدورة الاقتصادية والاجتماعية، وخصوصاً حين يتعلق الأمر بالنساء الأرامل اللواتي يحتجن إلى فرص حقيقية للولوج إلى سوق الشغل واكتساب مورد رزق يحفظ كرامتهن ويمنحهن قدرة أكبر على الاعتماد على الذات. ومن هذا المنطلق، تكتسي المبادرات الرامية إلى إدماج النساء في العمل والإنتاج قيمة اجتماعية وإنسانية كبيرة، لأنها تجعل من التعاون والعمل الجماعي جسراً نحو الاستقلال والتمكين.
كما ترتبط تجربة التعاونية، بحسب المعطيات المتوفرة حول نشاطها، بروح الانفتاح والتعاون مع جمعيات وتعاونيات أخرى، وهي شراكات من شأنها أن تقوي جسور التضامن بين الفاعلين المحليين، وتبادل الخبرات، وتشجيع النساء على الانخراط في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بما يخدم التنمية المحلية ويمنح المنتوجات المجالية المغربية فرصة أكبر للتعريف والتسويق.
وفي زمن أصبحت فيه المحافظة على الموروث مسؤولية جماعية، يأتي الكسكس باعتباره أكثر من مجرد غذاء؛ فهو جزء من الذاكرة المغربية ومن الثقافة الغذائية التي ارتبطت تاريخياً بالأسرة والمرأة والعمل الجماعي. ولذلك فإن إنتاجه داخل إطار تعاوني منظم يساهم في صون هذه الأصالة، وفي الوقت نفسه يمنحها بعداً اقتصادياً حديثاً يجعل من التراث منتوجاً قابلاً للتطوير والتسويق والمنافسة.
ومن هنا تبرز صورة مريم عياش باعتبارها نموذجاً للمرأة التي اختارت أن تجعل من العمل والعطاء وخدمة النساء مدخلاً لبناء تجربة تعاونية ذات أثر اجتماعي. فحين تتحول يد المرأة من مهارة تقليدية إلى وسيلة للإنتاج، وحين تتحول التعاونية من فضاء للعمل إلى فضاء للاحتضان والتكوين والإدماج، يصبح النجاح الاقتصادي مرتبطاً أيضاً بقيمة إنسانية نبيلة هي حفظ الكرامة وفتح الأبواب أمام من يبحثن عن فرصة.
إن حضور تعاونية الفيرس اكليمينة في المعرض الدولي للفلاحة بمكناس لم يكن مجرد مشاركة في تظاهرة مهنية، بل يمكن قراءته باعتباره محطة للتعريف بقدرة التعاونيات النسائية بجهة العيون الساقية الحمراء على حمل المنتجات المحلية إلى فضاءات وطنية كبرى، وعلى إبراز مساهمة المرأة في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
وتستحق السيدة مريم عياش، في هذا السياق، كلمة تقدير لما تمثله تجربتها من صورة مشرقة للعمل النسائي والتعاوني، ولما تحمله مبادرات دعم النساء وإدماجهن في سوق الشغل من معانٍ نبيلة في خدمة المجتمع. وهي صورة تنسجم مع العناية السامية التي يوليها جلالة الملك محمد السادس نصره الله للمرأة المغربية، وللتنمية البشرية، ولتشجيع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ولتعزيز مكانة المرأة كشريك أساسي في التنمية.
إن العطاء الحقيقي لا يقاس فقط بحجم المنتوج الذي تصنعه اليد، وإنما بعدد الأبواب التي تفتحها تلك اليد أمام الآخرين. ومن هذه الزاوية، تكتسب تجربة مريم عياش دلالتها الإنسانية، حين يصبح الكسكس الذي تصنعه التعاونية عنواناً للأصالة، والعمل عنواناً للكرامة، والتعاون عنواناً للتضامن، وتمكين النساء عنواناً للتنمية.
وهكذا تظل تعاونية الفيرس اكليمينة نموذجاً جديراً بالتشجيع والتعريف، ليس فقط باعتبارها منتجة للكسكس الأصيل، وإنما باعتبارها تجربة نسائية تحمل في طياتها معاني العمل والاجتهاد والتضامن، وتؤكد أن المرأة المغربية قادرة على تحويل الموروث إلى مشروع، والمشروع إلى فرصة، والفرصة إلى حياة أفضل للنساء والأسر والمجتمع.
مريم عياش.. امرأة اختارت أن تجعل من العمل رسالة، ومن التعاون جسراً، ومن العطاء قيمة، ومن أصالة الكسكس المغربي عنواناً لتجربة نسائية تستحق أن تُروى بكل اعتزاز.












