اخبار الشعب/الدكتور منير هدوبة
تحليلات أستاذي الدكتور منير هدوبة النفسية تجعلني متيمًا بالتأمل والاستنباط، وتفتح أمامي آفاقًا لفهم الإنسان بعمق. ومن هذا المنطلق أشارككم هذا النص( ذ البشيري بنرابح).
خلال احدى الحصص التي كنت احاضر طلبتي في سلك الماجستير المهني في علم النفس تطرقت إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم *عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له* وتوقفت عنده قليلا وقلت لطلبتي إن هذا الحديث في تقديري لا يحمل فقط توجيها إيمانيا روحيا بل يكشف عن قاعدة نفسية عميقة تتصل بكيفية بناء التوازن الانفعالي لدى الإنسان خصوصا في الموافق الضاغطة
إن المتأمل هذا الحديث من منظور علم النفس المعاصر يجد ان التوازن النفسي هو قدرة الفرد على إعادة تفسير الأحداث التي يمر بها بحيث لا تتحول الصعوبات إلى مصدر انهيار بل إلى دافع للنمو والتكيف وهذه الفكرة هي نفسها التي يؤسس لها الحديث النبوي حين يجعل المؤمن قادرا على تحويل حالتي السراء والضراء الى مصدر خير نفسي وروحي فالسراء تولد الامتنان والشكر والضراء تربي الصبر والمرونة النفسية وهمامن أهم آليات التكيف التي يتحدث عنها علماء النفس اليوم وبهذا تكون السنة النبوية سباقة إلى ان تحتوي كل جوانب الحياة الانسانية دون الاقتصار فقط عن المعاملات السطحية
إذن يمكن القول ان الحديث يقدم نموذجا مبكرا لما يسميه علماء النفس المعاصرون المرونة النفسية أو القدرة على تحويل التجربة المؤلمة إلى طاقة معنوية إيجابية فالإنسان حين يدرك أن للأحداث معنى وأنها ليست عبثية يصبح أكثر قدرة على احتمال الضغوط وأكثر استقرارا في بنائه الانفعالي
ولا يقف هذا المعنى عند هذا الحديث فقط بل تؤكده نصوص نبوية أخرى في السياق نفسه منها قوله*ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه*وهو حديث وفيه توجيه واضح إلى إعادة تأطير المعاناة بوصفها طريقا للتطهير والنمو لامجرد تجربة سلبية
كما يتعزز هذا المعنى بحديث آخر يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم *ان عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم*وهو ايضافيه إشارة نفسية عميقة الى أن الابتلاء يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة داخلية عندما يفهم الإنسان معناه في إطار إيماني أوسع وشامل فالانسان بكل مكوناته النفسية والعقلية والعضوية يحتاج رعاية كاملة وهذا ماحصل عليه الخطاب الديني وهو في نفس الآن يواكب تطوره الفكري والثقافي والاجتماعي
إن هذه النصوص النبوية حين تقرأ قراءة نفسية متأملة تكشف أن الإسلام لم يقدم فقط منظومة قيمية روحية بل قدم أيضا رؤية متكاملة لبناء الشخصية المتوازنة القادرة على التكيف مع تقلبات الحياة وهذا ما يجعل حديث عجبا لأمر المؤمن أشبهه بقاعدة نفسية عامة تؤسس لما يمكن تسميته في علم النفس المعاصر بعلم النفس القيمي الذي يجعل المعنى والإيمان والرضا عناصر أساسية في تحقيق الصحة النفسية والاستقرار
الداخلي











